النهار

٠٩ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ مارس-٢٠٢٦       25960

بقلم - د. علي بن عالي السعدوني

في المجتمعات التي تنضج فيها فكرة التكافل الاجتماعي، لا يُنظر إلى العمل الخيري بوصفه فعلاً عاطفياً عابراً، بل بوصفه منظومة إنسانية متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، فالعطاء الحقيقي ليس مجرد صدقة تُعطى، بل مشروع حياة يُبنى، وأثر يُترك في النفوس قبل أن يُقاس في الأرقام، ومن يتأمل ما تقدمه جمعية تراؤف لرعاية الأيتام بمحافظة حفرالباطن يدرك أننا أمام تجربة اجتماعية تتجاوز مفهوم الإعانة المؤقتة إلى نموذج تنموي يصنع الأثر ويعيد تشكيل معنى الرعاية.

إن مبادرات الجمعية لا تقدم مجرد نشاطات متفرقة، بل تكشف عن رؤية متكاملة ترى اليتيم إنساناً كاملاً له احتياجات روحية وتعليمية واجتماعية، وليس مجرد حالة إنسانية تستحق الشفقة، فالفارق بين العمل الخيري التقليدي والعمل المؤسسي هو الفارق بين تقديم المساعدة وبين صناعة المستقبل.

ومن أبرز المشاهد التي تجسد هذا المعنى مبادرة رحلة العمرة التي نظمتها الجمعية للأسر المستفيدة، حيث انطلقت الحافلات حاملة مئات القلوب التي تتجه إلى بيت الله الحرام، قد يظن البعض أن هذه المبادرة مجرد نشاط عابر ، لكنها في حقيقتها فعل إنساني عميق. فاليتيم حين يجد نفسه في رحلة إيمانية جماعية يشعر بأنه جزء من مجتمع يحتضنه ويمنحه الشعور بالكرامة والانتماء، وهنا تتجلى رسالة العمل الخيري في أسمى صورها أن تمنح الإنسان الإحساس بأنه ليس وحده في هذه الحياة.

لكن الرؤية في تجربة تراؤف لا تقف عند حدود الدعم الروحي أو الاجتماعي، بل تمتد إلى بناء الإنسان علمياً ومعرفياً، وجاءت مبادرة اتفاقية حافظ التي تهدف إلى تخريج حافظين وحافظات لكتاب الله عبر خطة تعليمية متدرجة، إن حفظ القرآن ليس مجرد إنجاز تعليمي، بل هو تأسيس لمنظومة قيمية تبني شخصية الإنسان وتمنحه البوصلة الأخلاقية التي يحتاجها في مسيرة حياته.

وفي جانب آخر من المشهد تظهر الشراكات التي عقدتها الجمعية مع مؤسسات مختلفة، مثل التعاون مع الأكاديمية السعودية للتجزئة لتأهيل المستفيدين لسوق العمل، وهذه الخطوة تعكس تحولاً مهماً في فلسفة العمل الخيري؛ إذ لم يعد الهدف مجرد تقديم المساعدة، بل تمكين الإنسان اقتصادياً ومهنياً ليكون قادراً على الاعتماد على نفسه.

كما أن الشراكات مع القطاع الخاص، مثل التعاون مع شركات وطنية لدعم الكفالات التعليمية، تمثل نموذجاً لما يمكن أن يحققه التكامل بين العمل الأهلي والقطاع الاقتصادي، فحين يلتقي رأس المال الاجتماعي مع رأس المال الاقتصادي تتولد مشاريع قادرة على تحقيق أثر طويل المدى.

 ومن المبادرات اللافتة في مسيرة الجمعية اهتمامها ببرامج الإسكان التنموي التي تسعى إلى تأمين وحدات سكنية لأسر الأيتام، فالمسكن ليس مجرد بناء يؤوي الأسرة، بل هو مساحة أمان تستعيد فيها الأسرة توازنها واستقرارها، وعندما تحظى أسرة اليتيم بمسكن كريم، فإنها تنتقل من هاجس الحاجة اليومية إلى أفق الاستقرار الاجتماعي الذي يمنح الأبناء فرصة النمو في بيئة أكثر طمأنينة وكرامة.

أما المشهد الذي يجمع أبناء الجمعية حول مائدة الإفطار الرمضاني برعاية محافظ حفرالباطن فيحمل رسالة اجتماعية بليغة، فحين يلتقي المسؤول مع أبناء المجتمع في مثل هذه المناسبات، فإن ذلك يعزز فكرة أن رعاية الأيتام ليست مسؤولية جمعية بعينها، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.

ومن اللافت في تجربة تراوف أنها لا تركز فقط على خدمة المستفيدين، بل تهتم أيضاً ببناء كوادرها الإدارية من خلال برامج تدريبية وقيادية، وهذا يعكس وعياً مؤسسياً بأن العمل الخيري الناجح يحتاج إلى قيادات مؤهلة وإدارة احترافية؛ لأن العمل الإنساني حين يُدار بعقل مؤسسي يصبح أكثر قدرة على الاستدامة والتأثير.

وإذا تأملنا الأرقام التي تقدمها الجمعية سنجد أنها ليست مجرد إحصاءات جافة، بل قصص حياة تختبئ خلف كل رقم، فكل برنامج تعليمي يعني طالباً اكتشف طريقه نحو المستقبل، وكل سلة غذائية تعني أسرة وجدت ما يسد حاجتها، وكل شراكة تنموية تعني فرصة جديدة لحياة أكثر استقراراً.

إن التحول الذي نشهده اليوم في العمل الخيري بالمملكة يعكس روح رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى بناء مجتمع حيوي متكافل، حيث يصبح القطاع غير الربحي شريكاً أساسياً في التنمية، وفي هذا السياق تبدو تجربة جمعية تراؤف مثالاً واضحاً على قدرة المؤسسات الخيرية على التحول من مجرد جهات مساعدة إلى مؤسسات تصنع التغيير الاجتماعي.

فالمجتمع الذي يعتني بأيتامه هو مجتمع يدرك أن المستقبل يبدأ من حماية الفئات الأكثر احتياجاً، واليتيم الذي يجد من يرعاه ويعلمه ويمنحه الأمل لن يكون عبئاً على المجتمع، بل سيكون أحد أعمدته.

 إن قصة تراؤف ليست مجرد تجربة خيرية في محافظة سعودية، بل هي نموذج لما يمكن أن يصنعه العمل الإنساني حين يقترن بالإدارة الواعية والرؤية الواضحة، إنها قصة مجتمع يؤمن بأن التكافل ليس شعاراً يُرفع، بل قيمة تُمارس، وأن الأمل حين يُزرع في قلب يتيم يمكن أن يتحول إلى مستقبل كامل من النجاح والعطاء.