بقلم ـ حذامى محجوب
في لحظات الأزمات الكبرى تنكشف الحقائق التي غالباً ما تبقى مغطاة بطبقات الخطاب الأيديولوجي والشعارات السياسية.
والحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل هي لحظة كاشفة لمسار طويل من السياسات والصراعات التي شكلت توازنات الشرق الأوسط خلال العقود الماضية.
لقد أظهرت هذه المواجهة بوضوح أن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يقوم على مشاريع توسعية تتغذى من الأيديولوجيا، ولا على استراتيجيات تقوم على نقل التوترات الداخلية إلى ساحات خارجية.
فالرهان على بناء النفوذ عبر الميليشيات العابرة للحدود أو عبر تشكيل شبكات من الأذرع المسلحة في دول أخرى قد يمنح صاحبه قدرة مؤقتة على التأثير، لكنه يتحول في لحظة الصدام الكبرى إلى عبء ثقيل يعمّق العزلة ويكشف هشاشة هذا النفوذ.
كما أعادت هذه الأزمة التذكير بحقيقة طالما حاولت بعض القوى تجاهلها، وهي أن أمن الشرق الأوسط شبكة مترابطة لا يمكن تفكيكها.
فزعزعة استقرار أي دولة في الخليج، أو محاولة الضغط عليها عبر أدوات غير تقليدية، لا تبقى شأناً محلياً محصوراً داخل حدودها، بل تتحول بسرعة إلى تهديد إقليمي واسع يفرض ردود فعل متشابكة ويعيد رسم خطوط الاصطفاف في المنطقة.
ومن هنا بدت واضحة المفارقة التي كشفتها هذه الحرب: الدول التي بنت سياساتها على إضعاف الدول الوطنية أو على الاستثمار في الفوضى الإقليمية تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، حيث تتحول لحظة المواجهة المباشرة إلى اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود سياسياً واقتصادياً، لا فقط عسكرياً.
لكن ما برز أيضاً في خلفية هذه الأزمة هو التحول الذي بدأ يتشكل في وعي شعوب المنطقة.
فبعد عقود من الصراعات التي استنزفت الموارد وبددت فرص التنمية، يبدو أن قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإقليمية باتت أكثر إدراكاً لكلفة الحروب الأيديولوجية وللثمن الباهظ الذي تدفعه الدول عندما تتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع دائم.
إن الرغبة في الاستقرار لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت مطلباً اجتماعياً واقتصادياً أيضاً، لأن الأجيال الجديدة ترى في التنمية والازدهار والانفتاح على العالم الطريق الوحيد لضمان مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحرب الجارية بوصفها لحظة مفصلية تفرض على المنطقة سؤالاً استراتيجياً لا مفر منه: هل يستمر الشرق الأوسط أسير منطق الصراعات العقائدية ومحاولات التوسع عبر القوة، أم أن التجربة القاسية التي يعيشها اليوم ستفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، ولأولوية التنمية، ولعلاقات إقليمية أكثر توازناً؟
فالتاريخ يثبت أن مناطق العالم لا تُبنى قوتها بالصواريخ وحدها، بل بالقدرة على إنتاج الاستقرار، وبالاختيارات السياسية التي تضع مصلحة الشعوب فوق رهانات الصراع المفتوح. وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد بقدر ما يملكه من أدوات الحرب، بل بقدر ما ينجح في ترسيخ عقلانية سياسية قادرة على تحويل الصراع إلى تعاون، والتوتر إلى فرص لبناء نظام إقليمي أكثر استقراراً.