الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ ابريل-٢٠٢٦       3850

بقلم-د. طارق بن حزام

لم تكن الشهرة في ميزان الحكماء مطلبًا يُقصد، ولا غايةً تُرتاد، بل كانت – إن أقبلت – أثرًا يتبع الصدق، وظلًّا يمتدّ خلف عملٍ لا يلتفت إلى نفسه، ولا يطلب جزاءً إلا من الله.

غير أنّ زمننا استدار بالمفاهيم حتى بدّل مواقعها؛ فجعل الظهور مقصدًا، وأقام للأضواء محرابًا، وصار المرء فيه يلهث لأن يُرى… قبل أن يتهيّأ لأن يكون.

ومن هنا بدأ الخلل يتسلّل خفيًّا؛ إذ تحوّل طلب الشهرة من أثرٍ عفوي إلى قصدٍ مُعلن، ومن نتيجةٍ طبيعية إلى غايةٍ تُستجلب.

ولم يعد “الإعجاب” مجرد انعكاسٍ صادقٍ لعملٍ حسن، بل غدا غايةً تُستجدى، وثمنًا يُدفع له كل شيء.

حتى رأينا من يبيع من مروءته، ويقايض مبادئه، ويفرّط في وقاره، في سبيل رقمٍ عابر، أو تصفيقٍ مؤقت، أو ذكرٍ لا يلبث أن يخبو.

وهنا يتصدّع الإخلاص من أساسه؛ لأن القلب إذا التفت إلى أعين الناس، أعرض – من حيث لا يشعر – عن نظر الله.

فيتحوّل العمل من عبادةٍ تُرفع، إلى صورةٍ تُعرض، ومن قيمةٍ تُبنى، إلى مشهدٍ يُستهلك.

وقد حذّرت الشريعة من هذا المسلك الدقيق، حتى في أدق صوره، فنهت عن “ثوب الشهرة”، لا لهيئته، بل لقصده؛ إذ العبرة ليست بما يُلبس، بل بما يُراد به: أهو سترٌ وزينة، أم لفتٌ وتباهٍ وإثارة؟

ولم يكن هذا المعنى غائبًا عن سلف الأمة، بل كانوا أشدّ الناس فرارًا من الشهرة، كأنها فتنةٌ تُخشى، أو بلاءٌ يُتّقى.

كانوا يرون الخفاء نعمة، والقبول عند الله غاية، ويحسبون أن الظهور امتحانٌ لا يُؤمَن مكره، ولا تُضمن عاقبته.

غير أنّ المشهد اليوم تجاوز هذا الفهم، فانفلت إلى ضربٍ من الهوس الجمعي؛ حيث تُستباح القيم تباعًا، وتُرتدى الأقنعة طبقةً بعد طبقة، حتى يضيع الوجه الحقيقي خلف كثافة الصور.

فترى الإنسان يقدّم نفسه في هيئةٍ لا تشبهه، ويتكلم بلسانٍ لا يمثّله، ويُظهر ما لا يعتقد، كل ذلك ليبقى في بؤرة الضوء، ولو كان الضوء كاشفًا لعري المعنى، لا ساترًا له.

وقد امتلأت الساحات الرقمية بصورٍ من استرخاص الذات؛ يُعرض فيها الإنسان نفسه سلعةً للفرجة، ويقدّم محتوىً يقتات على الإثارة وفوضى المتابعين، ويستمدّ حياته من الجدل، ويستبقي حضوره على حساب الحياء.

بل إنّ بعضهم لم يكتفِ بالإعجاب، بل استجلب السخط عمدًا، لأن الذكر – عنده – غاية، سواء أكان مدحًا أم قدحًا.

ولم يسلم من هذا التيار حتى ما كان يُعدّ من مكارم الأخلاق؛ فاختلط الإحسان بالاستعراض، وصار العطاء يُوثَّق ليُرى، لا ليُخفى، وأصبحت اليد التي تعطي تتلفّت إلى الكاميرا قبل أن تتوجّه إلى المحتاج.

وهكذا تسرّبت الأضواء إلى أقدس المساحات: إلى البيوت، إلى تفاصيل الحياة، إلى براءة الطفولة؛ فصارت الخصوصية مشهدًا، والعفوية محتوى، والإنسان مادةً للاستهلاك.

ومع ذلك، فليست الشهرة مذمومةً بإطلاق؛ إذ قد تكون نعمةً إذا جاءت تبعًا لخيرٍ يُبذل، أو علمٍ يُنشر، أو أثرٍ يُصلح.

لكنها حين تُطلب لذاتها، وتُجعل معيارًا للنجاح، ومصدرًا للقيمة، فإنها تنقلب فتنةً تُربك الميزان، وتُضلّ البوصلة.

فالميزان الدقيق في هذا الباب ليس في الظهور ذاته، بل في القصد الذي يقوده، والوسيلة التي توصله، والأثر الذي يخلّفه. فمن صحّت نيته، واستقامت وسيلته، نجا ولو اشتهر، ومن فسدت غايته تردّى ولو خفي.

وخلاصة الأمر:
أن الأضواء ليست دائمًا نورًا، بل قد تكون وهجًا يُعمي، وأن الشهرة ليست رفعةً في ذاتها، بل امتحانٌ يرفع من أحسن
ويضع من أساء. وأن أعظم الخسران أن يربح الإنسان أعين الناس… ويهين كرامته.
وصدق الله تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾