النهار

٠٥ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ مارس-٢٠٢٦       10175

بقلم - جمعان الكرت

في ظهيرة يوم شتوي، شاهدت غرم الله الدولي (عم البروفيسور سعيد فالح) ممتطيًا حماره الأبيض متجهًا إلى سوق الخميس. لفت نظري تجهم وجهه وأفول ابتسامته، وتصويب نظراته تجاه حافري حماره الأماميين كي لا يعثر فتكون النتيجة تهشم عدد من أضلاعه، خصوصًا وأنه بلغ من العمر عتيا. حين اقترب، تنحنحت لألفت انتباهه، إلا أنه استمر غارقًا في تفكيره دون الاهتمام بمن حوله. ناديته، فتلفت إليّ غير راغب في قطع حبل تفكيره. لحظته يزم شفتيه، فيما كانت لحيته غير مهذبة وشواربه كثة، تشبه إلى حد كبير أشواك طلح مدببة.
قلت: “ما الذي كدر صفوك وضيّق صدرك؟”
لم يجب، وكأنه لم يسمع سؤالًا. ألحّيت عليه بالسؤال، إذ ليس من المعقول أن يمضي الدولي دون أن ينطق بحكمة يتناقلها الركبان. أجاب بقوله: “إعلاميوكم”.
أردفت: “وما شأن إعلامييننا بما يشغل ذهنك ويكدر خاطرك؟”
قال: “بعضهم يعانون من عمى في العمل الإعلامي، وفئة بهم عشى صحافي”.
قلت: “لم أفهم، ماذا تقصد؟ ولربما كنت معتمدًا في دراساتي على الحفظ والتلقين وأحتاج — أطال الله عمرك — إلى تفسير وتعليل وتوضيح أكثر”.
قال: “عميان الصحافة لا يرون شيئًا مما حولهم، وكأنهم في حالة فصام عما يحدث ويجري، أما العشو (جمع: أعشى) فاختلطت عليهم المسائل، لذا يعيشون خلطًا عجيبًا مما أفقدهم دقة وشفافية العمل الصحفي. أما الفئة الثالثة فهم مُدّعون! فقط يحملون بطاقات تُخوّل لهم ممارسة هذا العمل العظيم الذي لا يجيدونه، فخسروا وسببوا خسارة لمجتمعهم”.
أثناء الحوار، لكز حمارته التي تنحى دون اكتراث صوب السوق، إلا أن ثمة كلمة رماها من حلقه سائلاً: “هل أجد صديقي شداد؟”
وفي واقع الأمر، أن شداد أعرفه جيدًا، فهو شيخ مسن، كسا ذقنه شعر أبيض، ولا يغادر متكأه الحجري الذي يطل على بيوتات القرية. حاولت ربط العلاقة بين الدولي وشداد، فلم أستطع. دفعني الفضول لأتجه نحو منزله الواقع في علو جبلي، وكأنه باختيار هذا المكان يود تحديد اتجاه بوصلة تفكيره نحو سكان قريته، لتفحص حياتهم المعيشية التي تقوم على البحث المضني عن أقوات أيامهم من إنتاج مزارعهم: حبوب الحنطة والذرة يطحنون ويخبزون ويأكلون، أو يجففون الغضاريف ويزببون العنب، أو يحلبون أبقارهم ويستخلصون سمنها وألبانها.
استنتجت بحكم قدراتي البسيطة أن شدادًا مهموم بشيئين: التأمل العميق، وأيضًا الغناء بطرق الجبل. فما أن ترتفع الشمس قليلًا عن هامة الجبل حتى ينشد بطرق الجبل، يسيل اللحن من حنجرته كماء وادي محشور بين الجبال. وحين يكون شداد في الحالتين — التأمل أو الغناء — ينبغي عدم قطع حبل تفكيره.
حاولت اقتناص لحظة ماتعة لأطرح عليه أسئلتي التي أرقتني، وخصوصًا عن نشوء العلاقة بينهما وما دواعيها وكيف بدأت. وفي وقت أدركت أنه سيجيبني، رميت سؤالي، فمحني بعينين غائرتين ذكيتين، وقد طغى على صفحة وجهه أثر السنين الطويلة فغدا متجعدًا كتربة جافة.
قلت: “يا جد شدّاد، هل أعجبك كلام الدولي؟”
لمحني وقال: “ما شأني في الإعلاميين؟ لا يهموني أبدًا، أنا مغموس في شأني الخاص”.
قلت: “وددت أن أسمع شيئًا”، لمحني بنظرة مزجت بين الدهشة والاستهجان، وكأنه يرفض فضولي الغير مستحب.
حاولت ألطف الجو بسؤال عن صحته، فقال: “إذا كنت تود أن تعرف شيئًا عن صحتي، فألخص لك في كلمات: الستر والعافية والأمن والأمان”.
قلت: “كلنا ننشدها”.
قال: “أنتم لا تعرفون دلالاتهما، أنتم تلوكون الكلام دون وعي كامل بها”.
وأضاف: “الزمن الذي عشناه ملأ قلوبنا رعبًا، وعقولنا خوفًا، وأجسادنا ضعفًا ونحولًا؛ الخوف، الفقر، الجهل، وأشياء أخرى، ندعو الله ألا يريكم إياها”.
قلت: “آمين، آمين”.
أما غرم الله الدولي، فهو صديقي قبل مولدك ومولد صديقك الدكتور سعيد فالح، الذي يكتب الحقيقة ونصفها ولم يصل لها، ولا أظنه يصل إليها، فالحقيقة كالشعاع تراه ولا تستطيع القبض عليه.
بعدها نهض واقفًا، حمل عصاه متجهًا إلى منزله، وأغلق الباب بعد أن سمح لصديقه بالدخول.