النهار

٠٣ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ مارس-٢٠٢٦       13365

بقلم - عبدالله الكناني 
تمرّ إيران بمرحلة دقيقة غامضة في تاريخها السياسي الحديث، وتواجه تحديات مركّبة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وما تبعه من تصاعد في العقوبات والضغوط الاقتصادية. 
وقد دخلت طهران في حالة توتر ممتد مع واشنطن، كما تستمر في اشتباك غير مباشر مع إسرائيل عبر ساحات متعددة في الإقليم.

لم يقتصر التحدي لإيران  على إدارة الخصومات الخارجية، بل أمتد إلى طبيعة الخيارات الاستراتيجية التي اعتمتدها القيادة الإيرانية في توظيف موارد الدولة. 
فقد أظهرت السنوات الماضية ميلًا واضحًا إلى توسيع النفوذ الإقليمي عبر دعم أطراف غير دولية في عدد من الساحات العربية، وهو توجه يثير دائما تساؤلات عميقة حول جدواه السياسية وكلفته الاقتصادية. 
ففي الوقت الذي يواجه فيه الداخل الإيراني أزمات معيشية وضغوطًا تضخمية وتراجعًا في القوة الشرائية، تُوجَّه موارد معتبرة إلى ملفات خارجية تُقدَّم باعتبارها امتدادًا للأمن القومي.

فاقمت هذه المقاربة حالة التوتر الإقليمي، إذ يُنظر إلى ما يُسمى بتوسيع دوائر التأثير باعتباره سعيًا لفرض واقع سياسي يتجاوز حدود الدولة الوطنية، وهو ما يتعارض مع مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. 
كما غذت هذه السياسات مخاوف تاريخية لدى بعض الأطراف من نزعات توسع ذات بُعد قومي أو أيديولوجي، الأمر الذي يعمّق فجوة الثقة ويعقّد فرص بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة.

تعتمد *دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية* نهجًا يقوم على تثبيت الاستقرار وتحييد المنطقة عن صراعات المحاور، مع الحرص على احترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضيها أو أجوائها منطلقًا لأي أعمال عدائية. 
وتسعى في الوقت ذاته إلى فتح قنوات للحوار متى توفرت الإرادة المتبادلة، إدراكًا منها أن أمن الخليج لا يتحقق بالغلبة، بل بالتوازن والالتزام بقواعد القانون الدولي.

أن أي تهديدات للممرات البحرية أو المنشآت الحيوية في المنطقة يؤدي إلى تعقيد المشهد، وتضع الدول أمام مسؤولية حماية أمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية، ولا يمكن لسياسة ضبط النفس أن تستمر إذا ما تحولت التهديدات إلى واقع يمسّ الاستقرار الاقتصادي أو يعطل سلاسل الإمداد والطاقة،ويقتضي منطق الدولة مراجعة السياسات التي تُوسّع دوائر الخصومة بدلًا من تقليصها.

*التجارب الدولية* تؤكد أن توجيه الثروة الوطنية إلى مشاريع نفوذ خارجي دون مردود تنموي مباشر على الداخل يضعف متانة العقد الاجتماعي ،وهو ما مرت به إيران ، وزاد من فجوة التوقعات بين الدولة ومواطنيها،كما تُظهر المؤشرات الاقتصادية أن الاستقرار الداخلي يرتبط بإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز التنمية، وخلق فرص العمل، بدل الانخراط في صراعات مفتوحة ذات كلفة طويلة الأمد.

موقف *المملكة* ينطلق من ثوابت واضحة تدعم حفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتعزز الحلول السياسية والدبلوماسية، وترسخ مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل, وترى أن بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة واحترام السيادة هو المسار الأكثر استدامة، وأن أي نزعات توسع أو محاولات لفرض النفوذ بالقوة ستؤدي إلى ردود فعل إقليمية تعيد تشكيل موازين القوى بصورة لا تخدم الاستقرار.

ويبقى *السؤال المطروح*: هل تمضي إيران الجديدة نحو مراجعة سياساتها الإقليمية وإعادة توجيه مواردها نحو الداخل، أم يستمر نهجها القائم على التصعيد في إطار نظام "ولاية الفقيه" بما يحمله من رهانات أيديولوجية واستراتيجية؟ إن *مستقبل الإقليم* سيتأثر إلى حد كبير بالإجابة عن هذا السؤال، *بين مسار يرسّخ الشراكة والاستقرار، ومسار يكرّس التوتر ويُبقي المنطقة في دائرة القلق وعدم اليقين.*