بقلم - حذامي محجوب
الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد ممارسة صحفية عابرة، بل هي موقف أخلاقي ووعي دائم بما يجري حولنا.
منذ البدايات الأولى، لم تكن الصحافة عندي مهنة بقدر ما كانت شغفا عميقا وخيارا واعيا، لذلك لا أستطيع أن أختزلها في سباق أرقام، ولا أن أراها لعبةً تُقاس بعدد المتابعين، بل أعدّها مسؤولية يومية تجاه القارئ، والتزاما صادقا بقول الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
ومع التحول الرقمي الذي غيّر قواعد اللعبة، لم أتعامل معه كخصم يُخيفني، ولا كفرصة سهلة للانتشار، بل كسياق جديد يتطلب فهما واعيا واختيارات واضحة.
في زمن تُقاس فيه قيمة النص بعدد المشاهدات، خطر الخلط بين الانتشار والتأثير أكثر من أي وقت مضى.
فالانتشار قد يتحقق بعناوين صادمة، أو جدل عابر، او صور مثيرة ،أو حتى بخوارزميات الدعم المالي، لكنه يظل هشًّا إذا لم يتحول إلى اقتناع حقيقي لدى جمهور محدد.
لذلك، ركزت على المحتوى قبل الأرقام، وعلى المصداقية قبل الضجيج، وعلى العمق قبل الإثارة العابرة.
بطبعي، لا أميل إلى الصخب ولا أرى في الظهور قيمة في ذاته.
اختيار الطريق الأصعب كان خيارا شخصيا ومهنيا معا.
هناك من يسعى وراء كل وسيلة لجذب المتابعين، بينما اخترت أن أحافظ على استقلالية رؤيتي، وأكتب وفق قناعتي، لا وفق تيار اللحظة.
فالأثر الحقيقي يُقاس بالتأثير العميق، لا بعدد الإعجابات العابرة.
تعلمت أن المنصات الرقمية ليست خصما، بل أداة يجب فهمها واستثمارها بوعي.
صحيح أن الجمهور أصبح شريكا في ترتيب الأولويات، وأن الموجات تتشكل بسرعة، لكن الاستسلام لها يفقد الكاتب استقلاله.
كنت أراقب الترند وأفهمه، ثم أقرر هل أضيف إليه زاوية تحليلية، أم أختار الكتابة خارج إيقاعه؟ فالكتابة التي تُولد من الخوف على التفاعل لا تنتج رؤية مستقلة.
الكتابة خارج القوالب الرائجة قد تُقصي صاحبها عن صدارة الترند، لكنها تبقيه في صدارة المعنى، بعيدًا عن ثقافة الاستهلاك السريع التي تختزل الفكر في ثوانٍ عابرة.
الصدق والمصداقية ضرورة لا يمكن التنازل عنها.
وكما قال أبو القاسم الشابي:
“النُّورُ فِي قَلْبِي وَبَيْنَ جَوانِحِي
فَعَلامَ أَخْشَى السَّيْرَ فِي الظُّلْمَاءِ.”
النور هنا هو القناعة الصادقة والالتزام المهني، وما دمت أحمله، فإن السير خارج السائد ليس خوفا، بل اختيارا للصدق والوضوح.
لم أستبدل العمق بالشعار، ولا الموهبة بالولاء، لأن الرسالة التي لا يحملها اقتناع حقيقي سرعان ما تنكشف.
التأثير الحقيقي أبطأ، لكنه أعمق، ويترك بصمة دائمة في ذهن القارئ.
اختياري كان واضحا: المضمون قبل الوهج، الاتساق قبل الانتشار، والثقة قبل التصفيق.
قد لا يكون هذا الطريق الأسرع في عالم الأرقام والمشاهدة، لكنه الطريق الأصدق والمستدام.
وفي عالم يتغير بسرعة، يبقى ما يُكتب بصدق وحده قادرًا على أن يصمد ويترك أثرًا.