الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ فبراير-٢٠٢٦       7260

بقلم - د. علي بن عالي السعدوني

ليست المنصّات الثقافية والإعلامية مرايا بريئة تعكس الإبداع كما هو، بل كثيرًا ما تكون نوافذ تُفتح وتُغلق بمفاتيح غير معلنة.

في الظاهر، تُعلن هذه المنصّات احتفاءها بالموهبة والعمق والاختلاف، وفي الباطن أحيانًا تشتغل بمنطق آخر منطق القرب، والألفة، والدوائر الصغيرة التي تُسمّى مجازًا العلاقات.

هنا، لا يكون السؤال: ماذا كتبت؟ بل: من تعرف؟ ولا يُختبر النص بقدر ما يُختبر صاحبه داخل شبكة من الأصدقاء والأنصار.
في هذا المشهد، يبدو المثقّف الذي لا يُجيد فنّ المجالس، ولا يحسن طرق الأبواب، ولا يملك بطاقة عبور اجتماعية، كأنه يسير عكس التيار.

يكتب بجدّ، ويقرأ بعمق، ويصبر على العزلة التي تفرضها الكتابة الجادّة، ثم يكتشف -بعد حين -أن النص وحده لا يكفي.

كأن الثقافة، بدل أن تكون ساحة تنافس شريف بين الأفكار، تحوّلت إلى نادي عضوية، له أبوابه الخلفية، وطقوسه غير المكتوبة، وابتساماته التي تُوزَّع على من يعرف الشفرة.
لا يعني هذا أنّ الصداقة شرّ مطلق، ولا أنّ العلاقات الإنسانية خطيئة ثقافية.

الثقافة، في أصلها، حوار، والحوار لا ينشأ في الفراغ.

لكن المأزق يبدأ حين تتحوّل الصداقة إلى معيار، وحين يصبح القرب الاجتماعي بديلاً عن القيمة المعرفية.

عندها، تُرفَع نصوص متواضعة لأنها لنا، وتُقصى نصوص رفيعة لأنها ليست من الدائرة.

وهنا تحديدًا يُصاب المشهد بالترهّل، تُكرَّس الأسماء نفسها، وتُعاد الوجوه ذاتها، ويُملأ الفراغ بأصوات يزعم الحيوية وهو يقتلها.
المثقّف غير الاجتماعي -إن صحّ التعبير-ليس بالضرورة متعاليًا أو منغلقًا؛ غالبًا هو شخص اختار أن يمنح وقته للنص لا للولائم، للفكرة لا للمجاملة، للبحث لا للتلميع.

هذا النوع من المثقفين يدفع ثمنًا باهظًا في عصر المنصّات يُقرأ قليلًا، يُستضاف نادرًا، ويُشار إليه على الهامش، لا لأنّه أقلّ كفاءة، بل لأنّه أقلّ حضورًا في خرائط العلاقات.

كأن الإبداع صار بحاجة إلى وسيط اجتماعي ليُسمَع، وكأن النص-وحده-أصمّ لا يُجيد الكلام.
المفارقة أنّ المنصّات، حين تُدار بهذا المنطق، تخسر ما تزعم حمايته. فالإقصاء غير المعلن يُفرغ المشهد من تنوّعه، ويحوّله إلى صدى واحد يتردّد بأصوات مختلفة.

الثقافة التي لا تُغامر بأصوات جديدة، ولا تفتح أبوابها لمن هم خارج الدوائر، تتحوّل إلى أرشيف مجاملات، لا مختبر أفكار.

والنتيجة ليست ظلم فرد بعينه، بل تراجع الذائقة العامة، وكسل السؤال، وتحوّل المنصة إلى واجهة علاقات عامة.
ثمّة بعد أخلاقي في هذه المسألة لا يمكن تجاهله.

المنصّة الثقافية، حين تختار أن تُقدّم القريب على الجيد، إنما تُعيد تعريف العدالة الثقافية على مقاس الصداقة.

وهي بذلك تُرسل رسالة قاسية-ولو بلا قصد-إلى المبدعين الجدد لا تتعب كثيرًا في النص، أتعب أكثر في العلاقات.

هذه الرسالة، إن سادت، تُغيّر سلوك الإنتاج نفسه؛ فيكتب البعض بعين على الفكرة وأخرى على الرضا الاجتماعي، وتخسر الكتابة شجاعتها، ويخسر النقد استقلاله.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من أمل.

فالتاريخ الثقافي يعلّمنا أنّ النصوص التي وُلدت خارج الدوائر كثيرًا ما وجدت طريقها، ولو بعد حين.

العزلة ليست دائمًا هزيمة؛ قد تكون شرطًا لنقاء الرؤية.

والمثقف الذي يكتب من خارج المنصّة، إن أحسن الصبر، قد يصنع منصّته الخاصة: قارئًا قارئًا، ونصًا نصًا.

صحيح أنّ الطريق أطول، لكنه—غالبًا-أصدق.
الرهان الحقيقي، إذن، ليس على إلغاء الصداقة من الثقافة-وذلك مستحيل-بل على إعادة ترتيب الأولويات أن تكون العلاقة جسرًا لا بوّابة، وأن يكون النص هو الدعوة الأولى، لا الاسم.

حينها فقط، تستعيد المنصّات معناها بوصفها فضاءات للثقافة، لا صالونات للألفة.

وحينها، لا يُسأل المثقف مع من تجلس؟ بل: ماذا تقول؟ وهذا السؤال، وحده، كفيل بأن يعيد للمشهد بعضًا من عدالته المفقودة.