النهار
بقلم - حمد حسن التميمي
بينما ينشغل العالم بتكديس "الأصدقاء" الافتراضيين وجمع الأرقام في سجلات الهاتف، يغفل الكثيرون عن حقيقة أن جودة حياتك لا تُقاس باتساع رقعة معارفك، بل بصلابة النواة التي ترتكز إليها، فنحن نولد في دوائر فُرضت علينا، لكننا ننضج فقط حين نبدأ برسم دوائرنا الخاصة بأيدينا، إن هندسة الأرواح ليست مجرد انتقاء للمحيط، بل هي عملية نحت مستمرة لشخصيتك؛ فكل شخص تسمح له بالدخول إلى مساحتك الخاصة، يضع لمسة، سواء كانت ريشة فنان تمنحك الأمل أو معول هدم يسرق منك الطموح، على لوحة مستقبلك الذي لم يرسم بعد.
إن عملية تقليل الدائرة هي في جوهرها فعل تحرر وليست فعل عزلة، فنحن نقلص المساحة لنفسح المجال للعمق، وعندما تغادر دوائر الشكوى والاستهلاك، تكتشف أن صمتك مع بناء واحد يمنحك من الإلهام ما لا تمنحك إياه ضوضاء ألف شخص من مستهلكي الطاقة الذين لا يتقنون سوى فن النواح على الأطلال، فالجلوس مع من يعمل ويبني يجعلك ترى الفرص الكامنة وسط الركام، بينما الجلوس مع من يندب حظه يجعلك ترى القيود حتى وأنت في قمة الحرية، إنها عدوى غير مرئية تنتقل عبر الكلمات والنظرات وحتى القناعات التي نتشربها دون وعي لتصبح مع الوقت هي سقفنا الذي لا نجرؤ على تجاوزه.
ولكي تتحول هذه القناعة إلى واقع ملموس، ينبغي عليك تبني شجاعة الاستغناء، وهي تلك المقدرة على هجر العادي وعدم الرضا بصحبة تقتلك بالراحة المزيفة، بل البحث دوماً عن أولئك الذين يطرحون الأسئلة الصعبة ويدفعونك نحو التجاوز، فمقياس الأثر الحقيقي يكمن في مراقبة ما يتبقى في روحك بعد كل لقاء، فإذا أضاف الحوار فكرة جديدة أو أشعل فيك فتيل العمل فأنت في الدائرة الصحيحة، أما إذا استهلك منك طاقتك وتركك مفرغاً من المعنى فأنت في المكان الخطأ، فصديق واحد يشد أزرك نحو القمة ويؤمن بفرادتك خير من مئة يواسونك على البقاء في القاع ويمجدون فيك الضعف تحت مسمى الواقعية.
وبالنظر إلى ملامح الغد، سنجد أن التميز لن يكون متاحاً لمن يشتت انتباهه في علاقات هشة ومجاملات فارغة، بل لمن يمتلك حصناً اجتماعياً من العقول المتوقدة، فنحن مقبلون على زمن ستكون فيه "الطاقة النفسية" هي العملة الأغلى والوقود الوحيد للنجاة، وسيصبح الأشخاص الذين يحوطون أنفسهم بالمبدعين والمنجزين هم القادة الفعليين، ليس لأنهم أذكى من غيرهم، بل لأن سقفهم الاجتماعي كان يرفض لهم بأقل من التفوق، ولأن محيطهم كان يمثل جهاز مناعة يحميهم من اليأس والتراجع كلما اشتدت تقلبات الحياة، فالمستقبل ينحاز لمن عرف كيف يختار رفاق الرحلة قبل أن يختار الوجهة.
في ختام هذه الرحلة، انظر إلى دائرتك الحالية بصدق واسأل نفسك هل هي جسر تعبر به نحو أحلامك أم هي قيد يربطك بأرض لا تشبهك، فرفع مستوى حياتك يبدأ من الإيمان بأنك تستحق مكاناً لا يُقال فيه "مستحيل"، ابدأ اليوم برفع سقفك واختر رفاقك بعناية تليق بعظمة قلبك ووجهتك، ففي نهاية المطاف نحن لا نصل إلى أهدافنا بمفردنا، بل نصل محمولين على أكتاف الرؤى التي نتقاسمها مع من نحب، ارفع سقفك ولا تخشَ القلة، فالسماء لا تضيق إلا بمن لا يملكون أجنحة تحلق في دوائر الضوء، فمن هم الرفاق الذين سيحلقون معك في سماء غدك؟