النهار

٠٧ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ مايو-٢٠٢٦       3080

بقلم-د. علي بن  عالي  السعدوني
حينما نتحدث عن إصلاح التعليم الجامعي فإن الذي يتبادر إلى أذهاننا أولًا ليس تشييد المباني الشاهقة، ولا اتساع الحرم الجامعي، ولا اللوحات اللامعة التي تحمل أسماء الجامعات الجديدة، ولا حتى الأرقام الكبيرة التي تُدرج في نهاية كل عام داخل التقارير المالية، وإنما يتجه التفكير مباشرة إلى معنى أعمق وأبقى، وهو العدالة المؤسسية التي تحفظ للجامعة رسالتها، والحوكمة التي تضمن ألا تتحول بعض الجامعات ولاسيما الناشئة منها  إلى مساحات واسعة للاجتهادات الشخصية، حيث تختلط الصلاحية بالنفوذ، ويغيب المعيار لصالح العلاقة، وتصبح الأنظمة قابلة للتأويل بحسب موقع الشخص لا بحسب نص النظام ذاته.
وحينما يُطرح الحديث عن الإصلاح فإننا لا نعني مجرد مراجعة شكلية لبعض الإجراءات، بل نعني إعادة ترتيب الأولويات بحيث تعود الجامعة إلى وظيفتها الأصلية بوصفها بيتًا للمعرفة لا ساحةً للامتيازات، ومؤسسةً لصناعة الكفاءة لا ميدانًا لتوزيع النفوذ، وفي هذا يبرز سؤال مهم  حول استمرار صرف بدل الجامعة الناشئة لأعضاء هيئة التدريس رغم مرور سنوات طويلة على افتتاح عدد من هذه الجامعات حتى تجاوزت مرحلة التأسيس الأولى، وأصبحت كيانات مستقرة إداريًا وماليًا، الأمر الذي يجعل بقاء هذا البدل محل مراجعة جادة؛ لأن مبررات هذا الاستحقاق ارتبطت بظروف النشأة الأولى وما فيها من تحديات استثنائية، وليس من المنطقي أن يتحول إلى امتياز دائم يستمر دون إطار زمني محدد، في حين أن الأصل أن تُربط جميع البدلات بالحاجة الفعلية لا بعادة إدارية طال بقاؤها حتى أصبحت وكأنها حق ثابت لا يقبل النقاش.
وحين نقترب من ملف الترقيات العلمية فإن الحديث يصبح أكثر حساسية؛ لأننا أمام جوهر الجامعة الحقيقي، حيث البحث العلمي الذي يُفترض أن يكون معيار التقدم الأكاديمي لا مجرد وسيلة إجرائية للترقية، إلا أن المشاهد العادي للمشهد الجامعي يلحظ أن كثيرًا من البحوث المحكمة  خصوصًا في الأقسام التربوية والأدبية  تُنشر في مجلات تصدر عن جامعات عربية محددة يقل مستواها العلمي والبحثي عن كثير من الجامعات السعودية، بما يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول جودة هذه البحوث، ومصداقية التحكيم فيها، ومدى استقلالية النشر العلمي عن المجاملات والعلاقات الشخصية؛ لأن الترقية حين ترتبط بعدد الأوراق المنشورة لا بقيمتها العلمية الحقيقية، فإننا لا نصنع باحثًا بقدر ما نصنع أرشيفًا ورقيًا يزدحم بالملفات ولا يضيف للمعرفة أثرًا حقيقيًا.
ومن صور الخلل التي تستحق التوقف كذلك غياب آلية نظامية واضحة لضبط التحضير والانصراف لأعضاء هيئة التدريس أسوة ببقية موظفي الدولة في القطاعات المختلفة، إذ يلحظ كثير من المشاهدين للمشهد الجامعي أن بعض أعضاء هيئة التدريس يعيد تشكيل جدوله الأكاديمي بما يخدم مصالحه الخاصة، فيفرغ أيامًا كاملة لأعماله الأخرى، ويكتفي بحضور محدود لا يتناسب مع حجم المسؤولية، وكأن الوظيفة الأكاديمية أصبحت مرتبطة بساعة المحاضرة فقط، بينما الحقيقة أن الجامعة منظومة متكاملة من حضور علمي وإداري وإشرافي وبحثي وتربوي، لا مجرد دخول قاعة ثم مغادرتها.
أما في ملف التعيينات داخل بعض الجامعات الناشئة، ولاسيما في التخصصات الأدبية، فإن المشهد يثير كثيرًا من علامات الاستفهام، إذ لم تعد المقابلة الشخصية تُقرأ دائمًا بوصفها أداة موضوعية لفرز الكفاءات، بل كثيرًا ما تُثار حولها تساؤلات تتصل بمدى تأثير العلاقات الشخصية والصلات النافذة في ترجيح بعض الأسماء على حساب أخرى، حتى أصبح لدى عدد من المتقدمين شعور بأن فرص القبول لا تُبنى في كل الأحوال على معيار الجدارة وحده، وإنما قد تتداخل معها اعتبارات أخرى يعرفها الوسط الجامعي جيدًا، ويشير إليها بصمت أكثر مما يعلنها بوضوح.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين يتدخل النفوذ الشخصي في تطبيق الأنظمة ذاتها، فترى الشروط تُشدد على أفراد، وتُخفف عن آخرين، ويُستثنى بعضهم من متطلبات التعيين أو الترقية أو الإعارة، في مشهد يوحي بأن معيار العلاقة قد يتقدم أحيانًا على معيار النظام، وأن بعض القرارات لا تُقرأ دائمًا من زاوية المبررات الموضوعية وحدها، بل من زاوية النفوذ القادر على إعادة تفسير النصوص وتوجيه مساراتها، ولذا لا يكون الخلل إداريًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا؛ لأن الجامعة التي يُفترض أن تُدرّس العدالة لا يجوز أن تُمارس نقيضها.
ومن المشاهد التي تحتاج إلى ضبط كذلك مشاركة بعض أعضاء هيئة التدريس في تدريب مديري المدارس والمشرفين التربويين، والمشاركة في الإشراف على اختبارات نافس خلال أوقات الدوام الرسمي، مع حصولهم في الوقت نفسه على الراتب الوظيفي الكامل ومكافآت التدريب أو الإشراف، بما يخلق تعارضًا واضحًا بين الالتزام الوظيفي والمكاسب الإضافية، فنعما بالتكامل بين مؤسسات التعليم، ولكن لا على حساب الانضباط الوظيفي، ولا عبر ازدواجية الاستفادة التي تُربك مفهوم العدالة بين الموظفين.
وحين نصل إلى المزايا المالية العليا، تتضاعف علامات الاستفهام، فوكيل الجامعة قد يحصل على بدل يصل إلى حدود الستين ألف ريال أو يزيد، وكذلك وكيل البحث العلمي، فضلًا عن الامتيازات الأخرى المرتبطة بالموقع الإداري، بينما لا يرى المجتمع الجامعي  في كثير من الجامعات الصغيرة تحديدًا  أثرًا علميًا متناسبًا مع هذا الإنفاق، فلا جوائز بحثية عالمية معتبرة، ولا حضورًا تنافسيًا في التصنيفات المؤثرة، ولا مشاريع معرفية كبرى تعكس حجم ما يُصرف، وعند هذه النقطة يصبح من المهم النظر في مدى انعكاس هذا الإنفاق على الواقع العلمي، بحيث يكون الصرف مرتبطًا بنتائج حقيقية وإنجازات ملموسة، لا أن يظل التركيز الأكبر منصبًا على الامتيازات الإدارية أكثر من المخرجات التي ينتظرها المجتمع من الجامعة.
أما رئيس الجامعة، فإن اتساع صلاحياته في التعيين والإعارة والبدلات والقرارات المالية يفتح بابًا واسعًا لتضخم السلطة في يد شخص واحد، بينما الأصل  انطلاقًا من رؤية المملكة 2030 التي تكرس جهودًا جبارة في الحوكمة والشفافية ورفع كفاءة الإنفاق أن يكون دوره منصبًا على التخطيط الاستراتيجي، وتحسين نواتج التعلم، وتعزيز البحث العلمي، وصناعة الشراكات النوعية، لا أن يتحول إلى مركز قرار مالي وإداري مفتوح بلا رقابة كافية.
إن الجامعة لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بحجم مخصصاتها، وإنما تُقاس بعدالة أنظمتها، ونزاهة قراراتها، وقدرتها على إنتاج معرفة حقيقية تخدم الوطن، ويا حبذا لو أُعيد النظر في هذه الملفات بجرأة لا تخشى المجاملة؛ لأن إصلاح الجامعة ليس شأنًا داخليًا يخص موظفيها وحدهم، بل هو شأن وطني يرتبط بمستقبل أجيال كاملة، وبثقة المجتمع في أهم مؤسسة يُفترض أنها تصنع العقل قبل الشهادة.