الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ يناير-٢٠٢٦       6105

بقلم - علي المالكي 

في التحولات الكبرى لا تكون المعركة بين دولٍ وأخرى فقط بل بين نماذج إدارة للسياسة نموذجٌ ينهار لأنه استنفد أدواته وآخر يتقدّم لأنه أعاد تعريف القوة وحدّد أولوياته وامتلك الجرأة على كسر القوالب القديمة. 
ما تشهده المنطقة اليوم ينتمي إلى هذا النوع من التحولات حيث لم تعد السياسة تُدار بمنطق ردّ الفعل بل بمنطق صياغة الإطار العام.

لسنوات طويلة عاش الشرق الأوسط في حالة سيولة استراتيجية ( أدوار غير واضحة و تحالفات هشة ومشاريع عابرة للحدود) تستمد قوتها من الفوضى لا من الاستقرار. 
في هذا السياق كان الضجيج الإعلامي جزءًا من أدوات النفوذ وكانت الشعارات بديلاً عن الفعل وكان الصوت العالي محاولة لفرض حضور سياسي لا يستند إلى قوة حقيقية واليوم هذا النموذج يتآكل .
السعودية في مسارها الأخير لا تتحرك بوصفها دولة تبحث عن دور بل بوصفها دولة تعيد تعريف مفهوم الدور ذاته. 
الانتقال هنا ليس تكتيكيًا ولا ظرفيًا بل استراتيجي عميق : من سياسة احتواء الأزمات إلى سياسة إعادة بناء النظام الإقليمي على أسس واضحة وهذا فارق جوهري يفشل كثيرون في إدراكه لأنهم ما زالوا يقرأون المشهد بعقلية قديمة.

التحول السعودي يقوم على تفكيك معادلة كانت سائدة : أن النفوذ يُقاس بقدرة الدولة على إثارة الأزمات أو إدارتها والمعادلة الجديدة تقول إن النفوذ الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على منع الفوضى وفرض القواعد وربط الاستقرار بالمصالح الاقتصادية والسياسية طويلة المدى. 
هذه المعادلة لا تنتج ضجيجًا لكنها تنتج واقعًا جديدًا.

من هنا يمكن فهم سبب الارتباك الذي تعيشه بعض القوى الإقليمية فالدول أو الكيانات التي بنت نفوذها على هامش النظام أو على غياب القواعد تجد نفسها اليوم أمام مشهد لا يترك لها مساحة للمناورة وعندما تضيق الخيارات الاستراتيجية يصبح الخطاب الانفعالي وسيلة دفاع أخيرة لا تعبيرًا عن قوة.

السعودية لا تقول إنها مركز الشرق الأوسط عبر بيان أو شعار بل تفرض هذه الحقيقة عبر شبكة من القرارات والسياسات : إعادة تعريف الشراكات ضبط إيقاع الخلافات وربط أي مشروع إقليمي بمنطق الدولة لا بمنطق الجماعات أو الاصطفافات المؤقتة. 
هذه المقاربة تضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما : إما التكيّف مع القواعد الجديدة أو الخروج التدريجي من معادلة التأثير.

استراتيجيًا الأخطر على الخصوم ليس ما تقوله السعودية بل ما لا تقوله. 
الصمت المدروس وتجنّب السجالات وترك الأفعال تتراكم كلّها أدوات قوة أكثر فاعلية من الردود المباشرة. 
ففي السياسة من يشرح كثيرًا غالبًا لا يملك القدرة على التنفيذ ومن ينفّذ لا يحتاج إلى الشرح.

كما أن التحول السعودي يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المرحلة الدولية. 
العالم يتجه نحو تعددية قطبية حيث لم تعد المظلات التقليدية كافية ولم يعد الاعتماد على حليف واحد ضمانة للأمن أو النفوذ. 
في هذا السياق تبني السعودية شبكة علاقات قائمة على المصالح المتبادلة لا على الاصطفاف الأعمى ما يمنحها هامش حركة أوسع وقدرة أعلى على المناورة.

الضجيج الذي نراه اليوم حول هذا الدور ليس سوى محاولة لتأخير الاعتراف بحقيقة باتت واضحة : أن مركز القرار في المنطقة يتحرك وفق منطق جديد وأن من لا يملك مشروعًا قابلًا للحياة سيجد نفسه خارج الحسابات مهما ارتفع صوته أو كثرت اتهاماته.

السياسة في جوهرها ليست معركة خطاب بل صراع على تعريف الواقع. 
والسعودية اليوم لا تجادل حول الواقع بل تصنعه. 
أما من يكتفي بالصراخ فهو في الحقيقة يعترف من حيث لا يدري بأنه فقد القدرة على التأثير في مساره.

وفي المحصلة الشرق الأوسط يدخل مرحلة تُقاس فيها القوة بالقدرة على بناء النظام لا هدمه وعلى ضبط الإيقاع لا كسره. 
في هذه المرحلة لا مكان للفوضى المقنّعة بالشعارات ولا قيمة للضجيج مهما علا. 
وحده الفعل الاستراتيجي الهادئ هو ما يصنع المستقبل ومن يفهم ذلك يفهم السياسة.