الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ يناير-٢٠٢٦       7425

بقلم ـ حذامى محجوب

في عالم تتنازع فيه الدول على مناطق النفوذ، وتتعثر فيه المنظمات الدولية تحت ثقل العجز والروتين، تبرز المملكة العربية السعودية كاستثناء لافت، اختارت أن تجعل من الإنسان نقطة الانطلاق، لا ورقة في صراع المصالح ولا شعارا للاستهلاك الخطابي، بل جوهرا لسياسة دولة مكتملة الأركان.

ما حققته السعودية في مجال العمل الإنساني لا يمكن قراءته بوصفه نشاطًا خيريًا تقليديًا، بل كخيار استراتيجي واعٍ، يرى أن الأمن والاستقرار الدوليين لا يُبنيان فقط عبر التحالفات والاتفاقيات، وإنما يبدآن من حماية الإنسان في لحظات ضعفه القصوى.

 وصول المساعدات السعودية إلى عشرات الدول حول العالم، وتخصيص مليارات الدولارات للإغاثة والدعم الإنساني، يعكس رؤية تتجاوز الجغرافيا، وتضع الكرامة البشرية فوق الحسابات الضيقة.

ومن خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بلورت المملكة نموذجًا مؤسسيًا متقدمًا في إدارة الأزمات الإنسانية، يقوم على سرعة التدخل، ودقة الاستجابة، والعمل بالشراكة مع الفاعلين الدوليين، مع احترام سيادة الدول وخصوصيات مجتمعاتها.

نموذج يبتعد عن تسييس المعاناة أو توظيف الحاجة، ويعيد الاعتبار لمعنى التضامن الدولي في أنقى صوره.

اللافت في التجربة السعودية أن العطاء لم يتحول إلى أداة دعاية، ولا إلى وسيلة لطلب الامتنان، بل ظل فعلًا هادئًا نابعًا من إحساس بالمسؤولية، ورغبة حقيقية في تقليص بؤر الألم، ومنع الأزمات من التحول إلى مآسٍ طويلة الأمد. 

فالقيمة هنا لا تُقاس بحجم التمويل فقط، بل بثبات الموقف واستمرارية الالتزام.

بهذا الحضور الإنساني المتواصل، تعيد السعودية تعريف مفهوم القوة على الساحة الدولية.

 قوة لا تُختزل في المؤشرات الاقتصادية أو الثقل السياسي وحده، بل تتجسد في القدرة على أن تكون سندًا حين تخذل المنظومات العالمية، وملاذًا حين تضيق الخيارات أمام الشعوب المنكوبة.

تلك هي السعودية اليوم: دولة تمارس دورها العالمي بلغة إنسانية راسخة، وتثبت أن النفوذ الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالفعل، ويُرسَّخ بالرحمة.