النهار

١٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ يناير-٢٠٢٦       8965

بقلم- محمد الفايز
في السنوات الأخيرة، لم تعد أدوات النفوذ تُمارَس بالطريقة التقليدية، ولم تعد الدول بحاجة إلى جيوش كي تبسط حضورها خارج حدودها. يكفي أن تمتلك سردية قوية وإعلامًا قادرًا على التغلغل في العقول، لتنشأ ما يمكن تسميته اليوم بـ "مستوطنة إعلامية" متكاملة، تتسلل بلا ضجيج، وتتحرك بلا خرائط، لكنها تغيّر الوعي وتعيد تشكيل القناعات.
المشهد لم يعد مجرد إعجاب عابر ببرامج أو واجهات ترفيهية أو تنموية، ولا هو احتفاء عفوي بنجاحات الآخرين؛ فخلف هذا اللمعان تعمل أذرع إعلامية منظمة تستقطب أفرادًا وتستدرج رموزًا، وتُعيد توجيههم لخدمة روايات ليست بريئة ولا عفوية ولا محايدة. بل إن بعض الإعلاميين باتوا أكثر حماسة في الدفاع عن تلك المشاريع من دفاعهم عن أوطانهم، وأكثر اندفاعًا في ترويج سرديات خارجية من التزامهم بثوابت الدولة التي ينتمون إليها، وهي خطوط حمراء: قيادتنا حفظهم الله، وأمن الوطن، وسيادته وقراراته.
الإشادة في حد ذاتها ليست مشكلة؛ فالتقدير حقٌّ مشروع.
لكن الخطر يكمن في ما وراء الإشادة.
فهناك مشاريع ناعمة تمتد خيوطها من غرف مظلمة إلى شاشات مضيئة، تتخفّى خلف الفن والترفيه والشعر والأدب، لتمرير رسائل سياسية وأجندات تتجاوز حدود الجغرافيا، وتخدم أهدافًا على حساب سيادة الدول واستقرارها.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الدول لا تُهاجَم أولًا بالدبابات،
بل تُخترَق بالرواية.
فالسردية المضلِّلة أخطر من السلاح؛ لأنها تزرع الشك قبل أن يزرع العدو خيمته، وتبني جدارًا من الريبة بين المواطن ووطنه، وتفتح الباب لميليشيات ومشاريع تخريبية تجد في الفوضى بيئة خصبة للتمدد.
وعندما يغيب الإعلام الوطني أو يتراجع صوته، يظهر صوت آخر يحمل رسائل غير بريئة، ويعيد تشكيل المشهد وفق مصالح خارجه، لا وفق احتياجات الداخل.
هذه حرب ناعمة لا تُطلق فيها رصاصة واحدة، لكنها قادرة على إسقاط وعي، وتمزيق أوطان، وفتح الباب أمام من يتربص بالدول لإعادة هندسة المنطقة وفق مصالحهم ولوبياتهم.
ختامًا، لا نملك إلا أن نقول:
اللهم احمِ أوطاننا العربية من الدولة الوظيفية ومشاريعها الباطنية وتدخلاتها في أمن الدول،
واجعل وعي الشعوب حصنًا لا يُخترق،
ورواية الحق أقوى من كل أدوات الظل.