الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يناير-٢٠٢٦       6985

بقلم - أ. حذامى محجوب 

في عالم تتكاثر فيه الأزمات ، وتتشابك فيه المصالح ، وتتّسع فجوات سوء الفهم ، لم يعد  الحوار  خيارا يُستحسن اللجوء إليه ، بل ضرورة وجودية لا بديل عنها .

 فهو الأداة الوحيدة القادرة على تحويل التصادم إلى تفاهم ، والاختلاف إلى فرصة ، والقطيعة إلى جسر .

فالمشكلات، مهما اختلفت مستوياتها ، فردية كانت أو جماعية ، سياسية أو اجتماعية ، لا تُحل بالقوة ولا بالصمت ، بل بالكلمة التي تُنصت قبل أن تتكلم ، وتفهم قبل أن تُصدر حكما . 

 الحوار ليس تنازلا عن المواقف ، بل امتحان لصلابتها ونضجها ، وليس ضعفا أمام الآخر ، بل اعتراف بحقه في الوجود والتعبير، وهو بهذا المعنى فعل شجاعة لا مجاملة .

من هذا المنطلق ، لا يمكن النظر إلى  الحوار  باعتباره مجرد آلية لامتصاص التوتر أو تأجيل الأزمات ، بل بوصفه مسارا عقلانيا لبناء توافقات واقعية بين الأفراد والجماعات والدول . 

 فالحوار لا يسعى إلى محو الاختلاف ، بل إلى تنظيمه داخل أفق مشترك يحدّ من كلفة الصدام ، ويمنع تحوّل الخلاف إلى خصومة مفتوحة .

 كلما اتسعت مساحات  الحوار  ، تقلّص منسوب الخسائر الإنسانية، واتّسعت إمكانات التعايش رغم تباين الرؤى وتضارب المصالح .

تنبّه الفلاسفة والمفكرون مبكرا إلى أن الإنسان لا يستطيع العيش خارج دائرة التواصل . 

فأرسطو، حين وصف الإنسان بأنه " كائن ناطق " ، لم يكن يشير إلى القدرة على الكلام فحسب ، بل إلى قابلية بناء معنى مشترك عبر  الحوار  .

 أما حنّة آرندت ، فقد لخّصت خطورة غياب  الحوار  بقولها إن " العنف يبدأ حيث ينتهي الكلام " ، في تنبيه واضح إلى أن انقطاع  الحوار  لا يخلق حيادا ، بل يفتح الباب للألم والخوف وانعدام الأمان .

 في التجارب السياسية الكبرى ، أثبت  الحوار  أنه الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على إنتاج الاستقرار .

فالقوة قد تفرض واقعا مؤقتا ، لكنها لا تبني سلاما دائما ، بينما يسمح  الحوار  بصياغة توافقات تمنح الشعوب شعورا بالأمان لأنها تقوم على الاعتراف المتبادل لا على الإخضاع . 

عبّر نيلسون مانديلا عن هذه الحقيقة بوضوح حين قال: " إذا أردت أن تصنع السلام مع عدوك ، فعليك أن تعمل معه " ، في إشارة إلى أن الأمن الحقيقي يولد من الشراكة لا من الإقصاء .

 لا يقتصر أثر  الحوار  على المجال السياسي ، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية والإنسانية اليومية . 

 فكثير من الأزمات بين الأفراد لا تنبع من تعارض جوهري في القيم ، بل من سوء فهم متراكم وصمت طويل .

حين يُفتح باب الحوار، لا تُحل المشكلة فحسب ، بل يُستعاد الشعور بالطمأنينة ، ذلك الإحساس العميق بأن الإنسان مسموع وغير مهدَّد في رأيه أو مكانته. وكما قال المهاتما غاندي: " الإختلاف في الرأي لا ينبغي أن يؤدي إلى العداء " ، وهي حكمة تختصر قدرة  الحوار  على تخفيف الألم وجعل العيش المشترك ممكناً.

 إن الرهان على  الحوار  هو رهان على الإنسان ذاته ، وعلى قدرته على تجاوز جراحه دون إنكارها ، وبناء توافقات تُقلّص منسوب الألم وتوسّع دوائر الأمان. لذلك، وفي كل السياقات، يظل  الحوار  الطريق الوحيد لتجاوز الأزمات وسوء الفهم ، لأنه لا يكتفي بإنهائها ، بل يؤسّس لعيش أكثر استقرارا ، وأكثر إنسانية .