الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يناير-٢٠٢٦       7645

القاهرة - النهار

في ليلة من ليالي القاهرة الباردة التي لم تصمد امام حرارة وروعة افتتاح مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشر مساء أمس السبت بمشاركة كبيرة من شخصيات رسمية ومسرحيين وادباء وعشاق للمسرح والمسرحيين.
كانت بداية الحفل فقرة فنية استعراضية تضمنت فيديو قصير للدول المشاركة في المهرجان واغنية من كل بلد مشارك، فيما قدمت بعد ذلك أوركسترا القاهرة السينفوني تضمنت مجموعة من الأغاني الوطنية.
ثم كانت كلمة د. سامح مهران كلمة المسرح في اليوم المسرح العربي التي قال فيها: السيدات والسادة ضيوف المهرجان العربي أهلا وسهلا بكم في مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشر
إن المسرح دائمًا هو ابن لعصره، ومن ثم فعلاقته بالسلطة والمعرفة والسياقات الاجتماعية لا شك فيها.

فالعملية المسرحية من جانب مهم منها عبارة عن تفكيك للخطابات والمعاني السائدة، وكشف لبني السلطة المنتجة لما نعتبره معرفة.
كذلك يشبه المسرح بالفلسفة، بما أنه فعل نقدي يقاوم المسلمات، ويزعزع البديهيات.

فعندما تتمكن الذوات من معرفة نفسها، تستطيع ممارسة حريتها حتى ضمن أي شرط قسري.
نحن نعيش في ظروف بالغة التعقيد في عالمنا المعاصر، فقد تم إنتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، وأصبح مستوحدَا أمام تقنيات الاتصال الحديثة، وما تفرضه من عوالم إفتراضيه تؤكد هذا الاستلاب الجماعي، وتفرض أسوارًا عازلة تمنعه من التفاعل الإيجابي من أجل التغيير.

 كذلك هناك ثورة بيوتكتولوجية في علم الوراثة، والهندسة الجينية، والأدوية العصبية، قد تفضي إلى تجاوز للطبيعة الإنسانية نفسها، وهو ما يهدد المساواة الإنسانية، فالمخاطر لا تكمن في الدمار، بل في التحول التدريجي للإنسان إلى شي آخر فوق بشريPost Human.

مما له آثار جسيمة في تغيير الطبيعة الإنسانية أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا.

فمثل هذا التحول سيؤدي إلى مجتمعات طبقية بيولوجيًا.

فهناك أدوية مثل "بروزاك وريتالين" تغير من المزاج أو الأداء العقلي، وهو ما يطرح تساؤلات حول حرية الانسان عندما يخضع لأدوية تعيد تشكيل وعيه.

كذلك تعمل التقنيات الحديثة على التحكم العقلي والسلوكي بواسطة الزرعات العصبية، والواجهات الدماغية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي المتكامل مع الجهاز العصبي، ليس فقط على تحسين الوظائف الجسدية، بل لضبط الفكر والإرادة.

فالإنسان قد يتحول ليصبح كائنًا إلكترونيًا، خاضعًا ومدارًا عن بعد من قبل شبكات رقمية مركزية، يفقد فيها وبها حريته الداخلية.
إن التقدم العلمي والتكنولوجي أدى إلى زيادة مركزية السلطة بما يهدد حرية الفرد واستقلاليته، فالأفراط في التنظيم والسيطرة يحمل مخاطر تؤدي إلى مجتمعات تفتقر إلى الإبداع والمرونة.

وأيضًا أدت وفرة المعلومات وسرعة تداولها إلى تشتيت الانتباه، وتراجع التفكير النقدي، وسيطرة العواطف، والمحتويات السطحية، علاوةً على انتشار المعتقدات الخاطئة.

لقد تسبب الفضاء الرقمي في أزمة إدراكية Cognitive apocalyps تهدد القدرات الجماعية على التمييز بين الحق والباطل، فمثل هذه الفوضى العقلية على المسرح أن يتناولها بالتحليل الدقيق، فما يتوجب الالتفات إليه جيدًا، هو أن أي تقدم علمي يجب أن يضبط معايير أخلاقية، وليس بواسطة آليات السوق أو العلم المجرد وحده.

نحن أيضًا في منطقة صراع ينبغي حلة، صراع بين ساحات العقل الحداثية، والموروث الذي يسكن الوجدان. فهل نحن كجسور لهذا الإرث، أم نحن مبدعين في ضوء معطيات العصر؟ 
لقد تمت أدلجة الموروث، فغدا للتأطير السياسي والثقافي، يسيطر بها على الفكر والأدب والفن.

لذا لا يجب علينا أن نعيد صراعات الماضي، بينما نحن قادرون على تنويع الهويات والجمع بينها.

لقد أصبح التعدد بمثابة خيار وجودي، يتيح لنا الإبقاء على ذواتنا، ومواكبة العصر في نفس الوقت.

ولذلك لابد من إعادة التفكير في علاقتنا بالعالم وبموروثاتنا دون أن نفقد ألق الانتماء إلى أيهما، بل نمنح الهوية فرصة لأن تكون مرنة وحرة وقادرة على الحوار والتفاوض.

إن المسرح هو ساحة مليئة بالتوترات التي ينبغي التعامل معها بصدق وأمانة، توتر بين الذاكرة النموذجية، التي تستخدم لفهم الشر ومنعه، والذاكرة الحرفية التي يتم استغلالها لأغراض أيدولوجية، أو للانتقام. وتوتر بين الوجود المسبق والوجود المكتسب من التجربة في الواقع المعيش، وتوتر بين الذات السردية التي لا يلحق بها التغيير، الذات الأسلوبية التي دائمًا تعيد تقديم نفسها إلى العالم عبر آليات الاختيار والانتخاب والتفكير النقدي.

وتوتر بين شعريات الامتثال التي تقدم عالمًا مبنيًا، يفرض على الجمهور كيفية التفكير والسلوك، وشعريات الإزعاج القائمة على اللعب والارتجال والزمن الممتد (حيث لا بداية ولا نهاية) والابتكار والتفكيك والتفاعل مع المتفرجين، ذلك التفاعل الذي يجعل من الحدث المسرحي، حدثًا ديناميًا متغيرًا.

وتوتر بين الخصوصيات المحلية، وما تفرضه العولمة من قيم التماثل، فقد أعادت العولمة تشكيل مفاهيم الثقافة، مهددة الهويات المحلية عبر اقتصاد السوق، كما أعادت تعريف المواطنين كمستهلكين دائمين للقروض، وملتزمين بتسديد الديون، وخاضعين لمراقبة مالية وسلوكية.

وأخيرًا توتر بين العدالة والقانون، إذ لا يعتمد القانون على منطق أو عدالة، بل على سلطة مؤسسية غير قابلة للتبرير العقلي الكامل، وهو ما يجعل من العدالة مطلبًا أخلاقيًا غير منجز.
إن القوة الأخلاقية للمسرح تكمن بالأساس في العلاقة التي تنشأ بين ما يفعله العمل المسرحي بنا، وما نفعله به. فالتساؤل المستمر عن أنماط حياتنا وطرق تفكيرنا، لا يستهدف فقط ازدهار الفرد، بل يستهدف الاهتمام بالآخرين، بالمدينة، وقضايا المناخ والتلوث البيئي، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الذات والحياة معًا.

فما نصبح عليه يؤثر في علاقتنا مع الآخرين ومجتمعاتنا، وبيئتنا، وأنماط حياتنا المشتركة، فمن الأنا يتشكل مجتمع النحن، القابل دائمًا لإعادة التعريف.
الشكر العميق للهيئة العربية للمسرح، ومجلس أمنائها الموقر على اختياري لإلقاء كلمة المسرح العربي في الدورة السادسة عشر لمهرجانها.  
فيما قال من جانبه مدير مهرجان المسرح العربي إسماعيل عبدالله في كلمته في افتتاح المهرجان:معالي مندوب السيد رئيس الجمهورية راعي الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، أ. د. أحمد فؤاد هنأ
السيدات والسادة أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة، أصحاب السمو من سيدات وسادة المسرح العربي من مصر وكافة أقطار وطننا العربي والعالم، سادة المشهد وميزانه جمهور المسرح وعشاقه.
مساؤكم مسرح، مساء يزهو بوجودكم في يوم افتتاح مهرجانكم، الذي يصادف يومكم اليوم العربي للمسرح، وإذا ما كان المسرح إكليل غار يزين هذا المساء، فللمسرح أن يزهو بإكليل آخر يتوج رؤوسنا جميعاً بالفخر واسمه "مصر".
اسمحوا لي بداية أن أنقل لكم تحيات رجل كوني الإنسانية، عربي الهوية، مصري الهوى، رجل يتابع بكل الفرح والاهتمام كل ما تنجزون من جمال، إنه سيدي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو الجلس الأعلى لاتحاد الإمارات العربية المتحدة، حاكم الشارقة، الرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح، الرجل الذي يعتز بزمالتكم ككاتب ومفكر، صاحب رسالة اليوم العالمي للمسرح عام 2007، ورسالة اليوم العربي للمسرح عام 2014، والذي يعتبر اجتماعكم في المهرجان على ارض الكنانة عيداً مسرحياً كبيراً.
وباسمكم عامة وباسم الهيئة العربية للمسرح أن أوجه الشكر العميق لفخامة السيد رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي لشموله هذه الدورة برعايته الكريمة، وهو الأمر الذي يؤكد أن المسرح قد أخذ مكانه في مؤشرات البناء الجديد والاعتبار المجيد للثقافة والفنون، فمصر التي نراها اليوم، تبعث المجد مجدداً وتتخذ المستقبل مُجدِدَا، ونفخر بأن مهرجاننا بهذه الرعاية صورة من هذه الصور التي يشرق بها عام 2026، وأي بداية للفعل الإبداعي أجمل من مهرجان يزهو بإبداعاتكم وحضوركم وما تمنحونه لسيد الفنون من ألق، فأجمل الأعوام ذلك الذي يبدأ بكم.
وكما أنني أجد أن هذه اللحظة مناسبة مهمة لكي أبوح بما تسره نفسي من امتنان وتقدير لفنان أعطى الثقة وتابع بكل احترام وحرص كل صغيرة وكبيرة وناقش واقترح بحس الفنان المسؤول وبحس المسؤول الفنان، شكراً معالي الفنان وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو على عطائك وجهودك ودعمك.
ومن خلالك لا بد من توجيه الشكر والتقدير لمنسق عام المهرجان الفنان (الشيخ) خالد جلال وكذلك التقدير والامتنان لأعضاء اللجنة التنسيقية من رؤساء القطاعات والهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة ومدراء المسارح والعاملين فيها للجهد الكبير الذي بذلوه في الإعداد الجيد، لتكون هذه الدورة في أبهى صورها.
هي الثالثة الثابتة التي تحتضن فيها أم الدنيا هذا المهرجان، احتضنته في أول نسخة عام 2009 وعاد إليها في عمر الحادية عشرة، وها هي تناديه في دورته السادسة عشرة، فعلاقة مصر بمهرجان المسرح العربي والمشاركين فيه علاقة الأم بأبنائها.
من أين يبدأ المفتون بكل تفاصيل هذه الدورة؟ من عروضها المتنوعة التي أبدعها فيلق من المتميزين من مختلف الأعمار والمشارب الفكرية والفنية؟ أم من سبعة عشر كوكباً اختارتهم مصر لتكرمهم الهيئة العربية للمسرح في افتتاح المهرجان، وهم مبدعون تجاوزوا فكرة النجم ليكون كل منهم كوكباً متفرداً، كوكباً له مداره وأقماره.
أم من وقوف قامة سامقة عميقة الخطاب مثل دكتور سامح مهران على منصة اليوم العربي للمسرح كي يشعل للسالكين منارات الهدى.
أم من أعمال باهرة لأسماء عربية مبدعة من أجيال مسرحية مختلفة تعالج الحرية وروح الإنسان، تلك التي إذا صلحت صلح الناس وصلحت الأوطان، أم من الحضور البهي لسيدات مبدعات أثرين المشهد المسرحي المعاصر بإبداعاتهن؟
أم من محطات المعرفة التي تمثلها أبحاث الباحثين وأحكام المحكمين وآراء النقاد وإضاءات الإعلاميين؟
أم من شغف المتدربين في ورشنا الست التي نُظمت في الإسكندرية والاسماعيلية وأسوان، فكان الشباب المقبلون على المسرح وقوداً لنور يعم البلاد بفرح المهرجان.
هذه أسباب وروافع تدعم بعضها بعضاً، في خلية النحل التي بني على نسقها مهرجان المسرح العربي، الكل شريك في صناعة النجاح، ولكل عمل مهما بدى بسيطاً أهمية فائقة تكمن في أهمية الإنجاز في الوقت المحدد والجودة المرجوة، لذا أحيي من هنا كل العاملين من فنيين وتقنيين في مشاغل التجهيز وفي المسرح، الجنود المجهولين الذين يبنون بإتقان وتفان، ليبدع غيرهم ويقطف المتعة جمهور يأتي للمسرح بانتظارات عالية.
ما دلفنا إلى الممر المؤدي إلى دورة جديدة من مهرجان المسرح العربي، إلا ووجدنا أنفسنا في حالة مشاعرية عظيمة ومرهفة، فنغذ الخطى سعياً لتحقيق ما يلبي طموحاتنا جميعاً، وطموحاتنا هذه لا تعني طموحات الأشخاص، بل طموحات الهيئة بصفتها البيت الكبير للمسرحيين العرب أينما كانوا، هذا البيت الذي ينشغل في كل مشاريعه بتطلعاتهم وانتظاراتهم، ينظر واقعاً ويقرأ الممكن، ويعاين الحلم، فيبني مراكبا وينسج أشرعة ويشد أزر بحارته لخوض أصعب العواصف التي يواجهها الإنسان، ألا وهي الحالات الإبداعية الخلاقة والمجددة، وهي واحدة من أسرار المخاض الإبداعي، ولهذا تفاصيل لا تنتهي.
وتكمن أصعب الأمنيات والتفاصيل في مسألة تبدو للبعض سهلة، ألا وهي حضور المهرجان، والمساهمة في إيقاد أنواره وإشعاعه، في رسم صورته، فكل مسرحي يطمح بأن يكون صانعاً أو مشاركاً في صناعة الحدث الذي يريده كما يتمنى، ولكن! أنّى يكون لمهرجان واحد أن يضم كل المسرحيين الذين يستحقون والذين يحلمون بالأجمل؟ وندرك بكل التفهم هذه الرغبات التي تتأتى من كون الهيئة العربية للمسرح، بيت كل المسرحيين العرب، هكذا أرادها صاحب الفكرة والفضل والرؤى والمبادرات التي يكرمنا بها، وكان آخرها جائزة التميز المسرحي للشباب، والمهرجان العربي للمسرح المدرسي، المبادرتان اللتان ستنطلقان في هذا العام 2026 بإذن الله.
لكن الشيء الأجمل الذي يجعل الأمر مستساغاً، هو أن كل دورة من المهرجان تحمل كل هذه الملامح والرؤى والطموحات التي تحيط الأعمال التي تأهلت، بشكل مباشر أو غير مباشر، فكل دورة هي ابنة لزمان ومكان وإنسان، وكل دورة تربح من سابقتها وتربح من عصرها، ونحن نسعى خلف من يلتقط اللحظة ويرسم لنا طريقاً لن يكون إلا إذا مهدته خطى المسرحيين الذاهبين إلى فجر جديد.
هل المسرحيون منحازون أم محايدون؟ سؤال يواجه المسرحي ويواجه صناع المسرح في مختلف تخصصاتهم، ونحن نقول لا حياد في الحق، المسرحي ينحاز للحق، ينحاز للحرية، ينحاز للجمال، ينحاز للمعرفة، ينحاز للقيم وينحاز للدفاع عن الهوية وينحاز لصناعة التاريخ، هذا ما ميز المسرحيين الذين خلدهم تاريخ الإبداع، فماذا يكون الحياد إذن؟
من هنا نجدد العهد، ونؤكد الوعد، بأن نكون، ولا مجال لغير أن نكون، فكلنا مسؤول، وكلنا مسؤول عن هذا المسرح الذي نريده وطنا لإنساننا الحضاري العربي الحر القادر على صناعة الغد، لإنساننا العربي الحضاري الذي يملك كل مفردات هويته ويمضي بها إلى الأمام، ونجري بمسرحنا بها كما يجري النيل بلا كلل أو ملل، يمنح الأرض طبعها وطبيعتها وطرحها ومواسمها، يمنح الإنسان قمحه، وزرعه وفرحه.
فلتبذروا المسرح في كل ساح حتى يكون في متناول يد كل إنسان، أنثروه حُبّاً ليلتقطه كل قلب سليم، ولينبت في الأرواح ورداً وطلعاً، انشروه نوراً في الفكرة والمعنى فنور المسرح لا يكمن في قابس كهربي، بل في قبس الجمال والدهشة والخيال، وفي قيم الإنسانية التي توحد ولا تفرق، والتي تجمع ولا تمزق والتي ترى بعين اليوم غدها، وتحرس بعين اليوم أمسها.
هنا مصر، مآذن وقباب وأهل وأحباب، ومحبة بلا حساب، هنا النكتة حالة تراجيدية يجابه بها البسطاء صعوبة الحياة، أفلا نأخذ الدرس منها، وهنا القلوب أسراب حمام، تسبح لمبدعها شدوا، ويتردد صداها في قلبي عودا.
ونحن اليوم على أرضها نسلم على أرواح زكي طليمات وجورج أبيض ويوسف بك وهبي ونجيب الريحاني وعلي الكسار، وأحمد شوقي وسيد درويش وسلامة حجازي، وأمينة رزق وشكوكو وبديع وعادل خيري، نسلم على عبد الرحمن الشرقاوي وكرم مطاوع وسعد أردش وسعد الدين وهبة وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وسميحة أيوب وسمير سرحان وفوزي فهمي ومحمد عناني ونهاد صليحة ولينين الرملي و ألفريد فرج، نسلم على شهداء بني سويف الأبرار، ونلوح بالتحية للطالعين من النجوع والأرياف وقصور الثقافة، الزاحفين بالألوف نحو مجد المسرح في لياليه الكبيرة، المزينين الساحات بعرائس ومخايلين ولاعبي الأراجوز وشعراء الربابة، الشامخين كما مآذنها والبسطاء كما سمرة تربتها، المسبحين بمجدها والحافظين عهدها، هؤلاء هم خيرة أهلها.. المسرحيون، الذين يفتحون القلوب لإخوتهم من المسرحيين العرب، الآتين إلى مصر كما يأتي الطير عشه وأمانه.
ولأننا رهط من المؤمنين بأن المسرح قارب نجاة، فإننا نعبر عليه إلى شاطئ الأمان ونقول لمصر
مصر يَمّا يا بهية        
يا ام طرحة وجلابية
الزمن شاب وانت شابة
هو رايح وانت جاية.
تضحكي للصبح يصبح
بعد ليلة ومغربية
تطلع الشمس تلاقيكي 
معجبانية وصبية.


ورحب معالي وزير الثقافة المصرية أ. د. أحمد فؤاد هنو بضيوف المهرجان في كلمته:

السادة الحضور،
الفنانات والفنانون،
 المسرحيون والمبدعون من مصر والوطن العربي،

أهلاً بكم على أرض الكنانة، أرض الحضارة والإبداع، حيث صاغ أجدادنا قبل آلاف السنين قصصًا مسرحية خالدة، لتظل صدىً يتردد في وجداننا، ورسالةً عن قوة الكلمة والخيال والفن.

ومن جديد، تفتح القاهرة أبواب مسارحها لتستقبل واحدًا من أبرز الأحداث المسرحية على الأجندة الثقافية العربية، باحتضانها فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، تحت رعاية فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبدعم كريم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.

السيدات والسادة..

إن انعقاد هذا المهرجان على أرض مصر يؤكد مكانة القاهرة كعاصمة دائمة للثقافة العربية، وحاضنة للفنون والإبداع، ويجدد الإيمان بدور المسرح بوصفه فنًا حيًا، ومساحة حرة للفكر والتنوير، ومرآة صادقة تعكس قضايا الإنسان العربي وطموحاته وتزامنا مع احتفالاتنا باليوم العربي للمسرح،  تلك المناسبة التي جسّدت عبر سنواتها المتعاقبة قوة المسرح كفن عربي أصيل، قادر على تجاوز حدود الزمان والمكان، وتوحيد مشتركنا الإنساني والثقافي، وجعل اللغة العربية لغة للمشهد والحوار والمعنى، وحاضنة للتنوع والاختلاف الخلّاق.

ونحن إذ نرحب بضيوف مصر الكرام من الفنانين والنقاد والباحثين والمهتمين بالمسرح، في أكبر نسخة للمهرجان تضم أكثر من سبعمائة مبدع عربي، نؤكد حرص وزارة الثقافة المصرية على دعم الحراك المسرحي العربي وتوفير المناخ الملائم لازدهاره، إيمانًا بأن الفنون، وفي مقدمتها المسرح، ركيزة أساسية في بناء الإنسان وترسيخ قيم الجمال والتسامح والانفتاح.
 ونعدكم بنسخة استثنائية امتدّت فعالياتها وورشها إلى عدد من المحافظات، ويعقبها — وللمرة الأولى — ملتقى لفنون الدمى، بما يثري المشهد المسرحي ويفتح له آفاقًا أوسع.
وأخيرًا، أهنئ جميع المسرحيين والمسرحيات المشاركين في هذه الدورة، متمنيًا أن تكون محطة للإبداع والتجديد والتعاون، وأن يعكس المسرح العربي حضوره ومكانته على الساحتين الإقليمية والدولية، ويبعث برسالةً حية عن ثقافة وفنٍ عربي أصيل، نابض بالحياة.