الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ يناير-٢٠٢٦       26400

القاهرة- حسين السنونه - النهار

شهد مسرح السامر مساء أمس عرض المسرحية المغربية "مواطن اقتصادي" ضمن العروض المشاركة في مهرجان المسرح العربي الدورة 16 الذي تستضيفه القاهرة.

العرض المغربي  لفرقة "محترف الفدان" من تأليف احمد السبياع وإخراج محمود الشاهدي، تتركز تفاصيل العمل على قراءة لمجموعة من القضايا التي تخص الفنان وحتى المثقف ولكنه يركز على الفنان الذي يستغل موقعه وشهرته بعيدا عن قضايا الوطن، مشيرا الى أن الحركة الفنية كثيرًا ما تعاني من وجود وجوه معروفة جماهيريًا من خلال التلفزيون والسينما، لكنها تتبنى مواقف لا تنحاز لقضايا الجمهور. ويتناول العرض أيضًا مجموعة من القضايا التي يعانيها الوطن والمجتمع المغربي، ويتضمن نقدًا لعدد من الممارسات التي لا تنحاز للمواطن".

وبعد ذلك أقيمت جلسة تطبيقية حول العرض وقدم الناقد الدكتورة مظفر الطيب من العراق ورقة نقدية حول العرض "مواطن اقتصادي" والورقة بعنون "السهل الممتنع في خطاب مسرحية مواطن اقتصادي"

في البداية يقول د.مظفر الطيب:        لم أجد عنواناً أكثر قُرباً ولا أعظمُ دقةٍ من السهل الممتنع، ليكون مقدمة عنوان هذا العرض، في فكرةِ النَّصِ، وبراعةِ الأداء التمثيلي، وعبقرية الإخراج، ذلك أنَّ هذا العرضُ عَرِفَ من بدايته وحتى نهايته، ببساطة الشكل وعمق المضمون، والبساطة هنا ليست ضعفاً وأنما قوة، ذلك أنَّ كل ما كان سهلاً في الشكل كان أقرب إلى الروح والقلب، وهذا على حدِ علمي المتواضع قد تحقق في هذا العرض، لذا سأسمحُ لنفسي الغوص في العرض جملةً وتفصيلا.

      هناك ....  يقف بعيداً، حيث لا سلطة، ولا رقابة، متأملاً في بوحٍ سرمدياً لاينتهي، هناك .... حيث الآمان ، و الأطمئان من عدمِ السؤال، هناك .... حيث الأرضُ الخِصْبةُ التي تتفجر بكلّ معاني الأرهاصات التي لا تنتهي، والتي تُفْرِزُ واقعاً مريراً يمّرُ بنا من هنا وهناك.

     أدرك ذلك جيداً، ذاك المختلف جداً (محمد السبياع) كاتب المسرحية، وهو يَلفُنا في مُحيطهِ الذي يتكون من سَبْعِ جُزُرْ، بلْ سَبْعُ لوحاتْ، والأدق سَبْعُ عوالمْ، كان يهمسُ فينا جهراً، أنْ أنتبهوا لما حولكم، كان قد توجس قبلنا حالة الخوف، فتسَّتر بالكلمات، لينبهُنا إلى ماهو أفضع وأَجّل من القادم، كان يدري أننا سنتْبعُ لوحاته السبع، لأننا جزءٌ في ذلك الكُل والكلٌّ في ذلك الجزء، أرخبيلٌ من الجزر السبع تصَّبُ في المعنى الواحد، هو أننا جميعاً ـ للأسف الشديد ـ أوهن مانكون.

     ويضيف الناقد الطيب: هذا هو الخطاب، بل الصداع  الذي عانى منه (السبياع)  وجيَّرهُ لناعبر لوحاته السبع، علَّنا نكون عوناً له في ايجاد العلاج، فوجدها عند (محمود الشاهدي) مُخرج العرض، الذي حلق في فضاءات (السبياع) عبر أدواته التمثيلية، و رُؤَاه الإخراجية المستندة شكلاً ومضموناً على مساقات المسرح التجريبي، والتي أسعفته كثيراً للوصول بالعرض إلى برِّ الأمان حيث جمال الأداء وروعة التقنيات.

    أعتمد أول ما أعتمد العرض على عنصر اللعب، واللعب هنا أحد أهم مساقات المسرح التجريبي، إذ يرى الفيلسوف المسرحي الألماني (فريدريش فون شيلر Friedrich Von Schiller ) أهمية اللعب في المسرح ويقول " أنَّ إرادة اللعب من أهم الإرادات لدى الإنسان إذ يميَّز ثلاثة أنواع أساسية تتجلى فيها إرادة الإنسان وهي : إرادة التشكيل، وإرادة المضمون، وإرادة اللعب التي تدمجهما معاً . فالجدل بين الشكل والمضمون، الذي يماثل الجدل بين المؤدي ومساحة الأداء، يفضي إلى ظهور إرادة جديدة تتجاوزهما، وهي إرادة التعبير الحر التلقائي المرتجل" وهذا ما حصل بالضبط في هذا العرض من خلال اللعب على الشكل والمضمون من جهة، واللعب بين شخصية الممثل الإنسانية والشخصية الدرامية المؤداة على المسرح من جهة أخرى، لأنـَّه بصراحة في وضعنا الحالي كمسرحيين وفنانين لا يمكن أن نُعبَّر عن أشياءنا إلى من خلال اللعب، إذ أنَّ الوجود الحقيقي لا يتحقق إلاّ عن طريق اللعب، أو بعبارة أخرى، أنا أكون إذاً أنا ألعب، لأنَّ اللعب بمعناه الجمالي الإبداعي أبلغ تعبير عن الروح الإنسانية، ذلك أنَّ الإنسان لا يلعب إلا حين يكون إنساناً بالمعنى الكامل للكلمة، كذلك فهو لا يكون إنساناً بالمعنى الكامل للكلمة إلا حين يلعب، وهذا ما فعله (الشاهدي) في جميع مفردات عرضه، بدءً من أختيار النص اللاعب عبر الأمكنة والمار بجميع الأزمنة ، ومفرداته السنوغرافية من خلال شاشته التلفازية الصغيرة، وموظف الكنترول القائد للعبة برمتها، فضلاً عن الكاميرا المسلَّطة من الأعلى، لتراقب وتسجل الأحداث أول بأول، وأنتهاءً بالمنصة، والأطارين الفارغين من الأبواب، وبركة الماء التي تحاول تطهير ما يمكن تطهيره.

    ويضيف الناقد الطيب: كلُّ تلك الأدوات وضعها المخرج (الشاهدي) في خدمة اللاعب الممثل، الذي راح يصول ويجول عبر العديد من الأَزْمِنة والأَمْكِنة من خلال مبدأ (الواقعية المتحولة) أحدى تقنيات المسرح التجريبي التي ظهرت في ورشة (جوزيف تشايكن) في (المسرح المفتوح ) إذ يقول عنها (بيتر فريدمان) : وهو أحد أعضاء الفرقة ، ومؤسسيها ما يأتي " لاتظل الوقائع على حالها كما في البداية ، بل نراها تتهدم بعد دقائق لتبني وقائع أخرى، وهذه أيضاً تتهدم وتستبدل بأخرى، وتحدث مثل هذه التغيرات في الوقائع بسرعة وبلا فترات إنتقال، ويصبح ذلك التبَّدل موضع تساؤل، حول هوية هذه الشخصية وفق ما يفعله الشخص، وليس وفق ما نراه نحن".

      ويرى الناقد مظفر الطيب: هذا ما أعتمده النص قبل الإخراج، وهذا ما أتاح مساحةً واسعةً للإخراج أنْ يلعب وأنْ يتفننَ بتبادل الأدوار مثلما يتفنن بتبادل المشاهد واللوحات أو حذفها، دون أنْ يؤثر على السياق العام للعرض، مثلما حصل في حذف المخرج للوحة الخامسة من النص الأصلي، لكنَّه بذات الوقت أضاف مقدمةً مهمةً، بل مقدمات، أولُها أعتماده مبدأ (الجستوس) على غرار مبتكرها (بروتولد بريخت) إذ يخصص أعلان منفرد لكل مشهد يبدأ أو ينتهي، وهذه دلالة مهمة في سياق العرض وتوضيحه من خلال الدلالات العلاماتية التي تضفي المعنى المُراد توصيله، كما أنه أستعار في بداية العرض بمقولة (نيتشه) حول الأنتماء للمجتمع إذ يقول " لن يحكم فيه القاضي أبداً ، بل المبدع ، سواء أكان عاملاً أو مثقفاً"، بهذه الكلمات يبدأ العرض، إذ يدخل رجل ليفتح الشاشة الصغيرة والتي يجلس بداخلها ذلك القائد للكنترول ليبدأ اللعبة، أو العرض بنخب البداية ووهويرفع الكأس ليشرب النبيذ أو العصير.

     هنا يستثمر المخرج ثالث مساق من مساقات المسرح التجريبي وهو العودة إلى الطقس، ليبدأ بموسيقى ورقصة تراثية من قبل ممثلتين وممثل، وما أنْ تنتهي الرقصة حتى تنسحب الفتاتين بأنسيابية رائعة، وهذه الإنسيابية صفة ملازمة لهذا العرض سواء أكان ذلك في دخول وخروج الممثلين، أو في الهارمونية المحسوبة في تداخل المشاهد، ثم يبدأ المشهد التالي بعد أنْ وضِع أعلان (مواطن اقتصادي) ومن بعده أعلان (عبد الحق الزروالي) وهذا الأسم لممثل مغربي أُشتُهِر بالتمثيل لمسرحيات المونودراما، يبدأ المزاد بعد أنْ وضع صناديق الأقتراع، ويدخل رجُلان (سياسي 1 وسياسي2)  دون أي مسمى ليحضروا المزاد، الجميع خاضع للمزاد، والأعلان لـ (مواطن 1.0) ، لا يقرأ شعر ولا يقرأ مسرحية ولا رواية ، لا يحكي ولا يشكي، مواطن لا يقول لا، لأي شيء، متعدد الأستعمالات، يعمل 23 ساعة من مجموع 24 ساعة، يتفق الرجُلان على شراء المواطن مناصفة بعد أنتهاء المزاد، دلالةً على أنَّ المواطن مهما صغُرَ أم عَظُم فمصيره التقاسم على حكمه والسيطرة عليه.

     وعن اللوحة الثانية في العرض يقول الطيب:  لندخل في اللوحة الثانية بمقطع موسيقي هارموني عذب، وأعلان مكتوب (المغاربة علام) مواطن مغربي في غاية الخصوصية ، لكنه عربي من حيث العمومية، مواطن يتحدث عن أرهاصات ودواخل المواطن المغربي، والتي تنعكس على جميع مواطني المنطقة، وباللحظة التي يبدأ بالتساؤل عن جدوى وجوده تنسحب منه النجمة الخضراء التي كان قد حصل عليها، ليبدأ من جديد الحديث عن مفردات المجتمع المغربي وكيفية تحويله إلى موطن موزنبيقي وهكذا، يبدأ الأنسحاب المغربي كما يزعم، والخروج هنا بمساعدة قائد الكنترول الذي يعطيه الدف ليبدأ بالرقص والضرب على الدف للتمهيد للدخول إلى اللوحة الثالثة.

     تدخل الفتاة (المواطنة) بهارمونية عالية وهي تستلم لواء المشهدية من زميلها بلعبة مسرحية عالية الدقة، لتعرب عن أستلابها الذي لا يختلف عن سابقِها المستلب الأول، وهي تغسل ملابسها، وفي ذات الوقت تتم عملية تغيير الديكور من قبل الرجُلان (السياسي 1 والسياسي2) اللذان يدخلان ويمارسان أعنف طرق التسلط والضرب على المواطنة، والسبب فقط لأنها لم تقل (مرحبا) بطريقة جيدة، هذه المواطنة التي تُشبه المواطن الذي سبقها بالمشهد، وهي تشبِهُنا مثلما نُشْبِهُها، هذه المعادلة الدائرة بين السلطة والمواطن، وظفَّها السيد المخرج لتكون القاسم المشترك في جميع لوحاته المسرحية، ظناً منه بل يقينه التام، مثلما يقيننا نحن، من أنَّ السلطة، هي سلطة في أيّ زمان ومكان، ولا سيما في منطقتنا نحن، السلطة هنا لا تعني النظام والمحافظة عليه، أنما السلطة هي القمع، و مصادرة الحريات، وهي التحكم بالإنسان، وبمقدراته وطاقته وآدميته، هذا هو الخطاب الذي أراده (الشاهدي) من خلال تبادل ولعِب الأدوار، الأمر الذي يجعلك لا تمييز بين المواطن والمواطنة، الجميع هنا مستلب.

    فالتمثيل هنا مختلف جداً، فالممثل في هذا العرض لا يقدم الشخصية، أنما يقدم الحالة، لذا فأنت تتعاطف وتنتمي مع الحالة أكثر من أنتماءك للممثل، وهذا الأمر يعطي مجالاً كبيراً لأرتجال وتفاني وتألق الممثل أكثر من تشخيصه للشخصية التي يؤديها، لذا نجد الممثلين في نهاية اللوحة الثالثة، وقبل تسليمهم المشهد للوحة الرابعة، يضيفون حواراً مرتجلاً غير مكتوب في النص الأصلي، لكنه لا يذهب بعيداً عن الحالة التي هم فيها، فيتناوب الممثلان بالحوار  "نحن في المغرب عندنا كل شيء ، عندنا الشجر ، عندنا البحر ، عندنا المول" وهم يخرجون للتمهيد للوحة الرابعة.

     وبنفس الإنسيابية التي ذكرتُها أكثر من مرةٍ في هذه الأسطر، تدخل (المواطنة 2) وهي تكمل الأرتجال الحواري الذي بدأه الممثلان الخارجان من المسرح، وتقول " نحن عندنا كل شيء، عندنا زيت الكاز، عندنا زيت العود، عندنا أكبر مول، أكبر شارع، أكبر مسرح، عندنا كل شيء، المغرب زوين" وهذا الأرتجال هو المساق الرابع من مساقات المسرح التجريبي الذي يعتمد على الأرتجال بوصفه مبدأ من مبادئ وعناصر المسرح التجريبي.

     عند دخول الممثلة (المواطنة 2) وخروج الممثلان يقومان بترتيب وتعديل الديكور بما يتوائم مع اللوحة القادمة، ويظهر الأعلان الجديد وهو (التسامح)، وهنا في هذه اللوحة يقدم لنا العرض الحالة التشابكية التي لا تنتهي ، وأنتهاك خصوصية الآخر بالعديد من الأسباب المنطقية والغير المنطقية، فضلاً عن الفراغ الذي تحس فيه المرأة بغياب وتكاسل الرجل، بمشهدٍ مسرحيٍ وأداء تمثيلي غاية في الدقة من قبل ممثلتي العرض، ففي الحالة الأولى عند الممثلة الأولى (المواطنة 1) وهي تتحدث عن ذاتها ومعاناتها بأعلى درجات الأحساس التمثيلي، وهنا بالذات تتسيَّد الحالة الشعورية على حساب تجسيد الشخصية، إذ تأخذنا هذه الممثلة البارعة إلى أعلى درجات التماهي معها، وتقابلنا بذات الوقت الممثلة الثانية (المواطنة 2) بأعلى درجات الحاجة للآخر في لحظة أشتهائها وخروجها للبحث عن الذات، إذ يظهر الأعلان الجديد وهو (المعاملة)، ويبدأ حديثها بأتجاه الكاميرا المسلطة عليها من الأعلى، وكأنها مناجاة، فضلاً عن أستثمار الطاولة عند حالة الأشتهاء، إذ تستلقي (المواطنة 2)على تلك الطاولة، وبذات الوقت وبذات المكان يستثمر المخرج قائد الكنترول للمشاركة وتلبية شهوة المرأة ويشاركها بالتمثيل، فليس مهماً أنْ يكون قائد الكنترول ممثلاً بارعاً، أنما المهم هو توظيف الممثل في المكان والزمان الصحيح، وهنا أقصد تسيَّد الحالة على الأداء التمثيلي، وهذا ما فعله (محمود الشاهدي)، إنَّ هذا الأداء، وهذا الأختزال ، وهذا الأقتصاد، هو السهل الممتنع الذي نتمنى أنْ نذهب نحوه، فالبساطة هنا قوة وجمال، وهذا ما نادى به (كروتوفسكي) وبُحَّ صوته في قيمة وعظمة الممثل، وهذا ما حَصُلَ في هذا العرض، يكفي لهم براعة تجسيد الممارسة الجنسية من خلال الوشوشة في الأذن، أنها الحالة يا سادة، وإنـَّـه الأختزال والجمال والفن.

     في اللوحة الخامسة، وهي في النص المكتوب اللوحة السادسة، ندخلها بأعلى درجات الهارمونية والأنسجام، دون أنْ يتخلخل نظام العرض، إذ تخرج من المسرح (المواطنة 2) بكل أناقة وعذوبة على صوت "مثلجات ..مثلجات .. مثلجات بنكهة الفانيلا ..مثلجات حمراء وصفراء .. مثلجات ...مثلجات الكثير من الألوان"، ويدخل الرجُلان لترتيب الديكور، بينما تبقى (المواطنة 1) على المسرح، وتستلقي على ظهرها، وتأخذها الكاميرا المسلطة من الأعلى دلالة المراقبة الكونية لنا جميعاً، وتجلس وهي تنزع فردة من حذائها وتضع قدميها في البركة، ويظهر أعلان المشهد هو (شخصية بدون ملامح)، هكذا هي بدون ملامح، سواء كان مواطن أم مواطنة، هي خليط من كل شيء، هي الكل المختلف، كما الثقافة، هي من المغرب من العراق من كزاخستان من الهند من الجزائر، هي لا تعرف، وهي تحمل جميع الصفات، ولا يهمها أن تكون حاملة صفات بني آدم، أو أي الحيوانات، أو حتى الحشرات، الذباب، الأفاعي وهكذا، هو بحثٌ عن الذات، هذه الذات الغائبة الحائرة هنا وهناك، مرة تلبس البرقع، ومرة تلبس الميني، لا يوجد عندها ما يشبه الآخر، كما نحن، هو مشهد أقرب إلى المونودراما، لكنه داخلٌ في رحِم الحالة الفرضية للعرض، وبأداء تمثيلي متقدم، وبتكنيك أدائي واعي، ولا سيما التمهيد لحالة السعال، والتحول إلى أصوات الحيوانات، هذا التدرج الأدائي ينَّمُ عن تشاركية كبيرة بين التمثيل والإخراج، الأمر الذي يفرض تلك الحالة التي تحدثنا عنها سلفاً.

      ويختم الطيب ورقته للحديث عن :المشهد أو اللوحة الأخيرة أخذت عنوان (النصيحة)، وكالعادة الدخول في المشهد بتلقائية شديدة، مع دخول (الناصح 1) و (الناصح 2) وكذلك (الناصح 3)، ولا يهم أنْ كان الناصح رجل أمْ امرأة، المهم الجميع يبحث عن النصيحة الغائبة، والجميل في الأمر أنَّ كل فرد وجد شكلاً  ورمزاً لنصيحته، كما ذهب (تشارلز ساندرز بيرس Charles Sanders Peirce) في تقسيم العلامات والرموز والإشارة، لذا كان الأختلاف في الأشارة لدى الممثلين في موضوع النصيحة، أمراً ايجابياً ، إذ أنَّ حتى طلب النصيحة مختلف، تضمَّن هذا المشهد العديد من الأعلانات منها (مؤثرون) دلالة أجتياح عالم التواصل الأجتماعي وأنتشار العديد من النماذج المؤثرة، وكذلك أعلان (حملة أنتخابية  قبل الآوان)، كلُّ ذلك قُدِّمَ بطريقة أدائية محترفة بدءً من الأداء التمثيلي، وأنتهاءً بمفردات العرض، مثل دخول الكاميرا التي تراقب كلَّ صغيرة وكبيرة، وتدخلها بالوقت الذي تريد، فضلاً عن كسر الأيقاع، لاسيما عند الممثلة (الناصح 3) وهي تسترسل بالأداء ويدخل الرجل حامل الحقيبة لتخبره بالرجوع فيرجع مسرعاً، هذا الأمر ليس مجاني، بل مدروس بعناية فائقة في ضبط إيقاع العرض وتنشيطه، لينتهي العرض بفتح قائد الكنترول الستارة، وتبدأ الهلاهل (الزغاريد) بدخول الحملة الأنتخابية.

     هذا العرض لا يوجد فائضٍ فيه، كلُّ شيء مدروس ومحسوب، لا توجد نغمة موسيقية، أو حركة أدائية تمثيلية، أو اشارة ديكورية ، أو لباسٌ معين، إلا وفيه قصدية تامة، فالأزياء حُسِبت بدقة، ليس سدىً أنْ ترتدي الممثلة (المواطنة 1) قميصها بالشكل الجانبي، ولا عبثاً أنْ يرتدي الممثل (الناصح 2) قميصه بذراع يوجد فيه كُمْ والذراع الثاني لا يوجد كُمْ، ودون شك كانت هناك قصدية واضحة في أزياء الممثلين ( السياسي 1 والسياسي 2).

    التمثيل هنا كان سيد الموقف، والمسرح هو فن الممثل، والممثلين الخمسة في هذا العرض، فضلاً عن قائد الكنترول، كانوا في الموعد، كانوا على قدرٍ كبير من الأحترافية الأدائية التمثيلية، فرغم المساحة القليلة للممثلين (السياسي 1والسياسي 2) لكنهما أثبتا حضوراً ملفتاً، لا سيما بتلقائيتهما اللافتة، وحضورهم البهي،والممثل الثالث (المواطن) هذا الممثل اللاعب الراقص على أحزانه قبل أحزاننا، كان مَرِناً جميلاً آخاذاً بحضوره وأداءه، أما السيدتان،  فكانتا لاعبتين ماهرتين في فن التمثيل، براعة في تجسيد الحالات المختلفة من الأداء، حضور وثقة وأنتماء لما يفعلن، وعيٌ ثاقب لمفردات العرض.     

     كاتبٌ هو (محمد السبياع) ... يعرِفُ إلى أين يذهبُ وكيف، ومخرجٌ، بل مبتكرٌ، ومبدعٌ بأمتياز ذلك هو (محمود الشاهدي).

    مسرحية (مواطن اقتصادي) ...عرضٌ أنتمي اليه جملةً وتفصيلا.