بقلم ـ علي بن عيضه المالكي
حين تتراكم أيام العمل، تتكاثف المسؤوليات، ويتسارع الإيقاع اليومي، يجد الإنسان نفسه منغمسًا في أداء الواجب أكثر من حضوره مع ذاته.
يصبح الوقت أداة للإنجاز، وتتحول الساعات إلى محطات عبور سريعة، تتراجع خلالها المساحات الهادئة التي تحتاجها الروح كي تتوازن.
في هذا السياق، تأتي الإجازة كمنحة إنسانية عميقة، تمنح النفس فرصة للاستعادة، وتفتح أبوابًا للسكينة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وحياته.
الإجازة ليست انفصالاً عن الواقع، وإنما عودة واعية إلى جوهره.
هي لحظة توقف محسوبة، يتأمل فيها الإنسان ما مضى، ويعيد قراءة ذاته دون ضغوط أو توقعات.
خلال هذه الفترة، تخف الأصوات الخارجية، ويعلو الصوت الداخلي، فيبدأ المرء بفهم أعمق لاحتياجاته النفسية، وأولوياته الحياتية، وتطلعاته المؤجلة.
في الإجازة، يستعيد الوقت معناه الإنساني. لا يُقاس بالدقائق، وإنما بالإحساس.
صباحات هادئة بلا منبهات، أمسيات دافئة بلا استعجال، لحظات بسيطة تتسلل إلى القلب وتمنحه طمأنينة ناعمة.
تتسع المساحة للتأمل، للقراءة الحرة، للمشي دون وجهة، للحديث العميق، وللاستمتاع بتفاصيل كانت غائبة خلف زحام الالتزامات.
كما أنها تمنح العقل فرصة لإعادة التوازن الذهني. فبعد فترات طويلة من التركيز والقرارات والضغوط، يحتاج الذهن إلى فسحة ينفلت فيها من التوتر، ويستعيد مرونته، ويجدّد قدرته على التفكير الخلاق.
في هذا الصفاء، تولد الأفكار بهدوء، وتتشكل الرؤى دون قلق، ويشعر الإنسان بخفة ذهنية تمنحه استعدادًا أكبر للمرحلة القادمة.
أما الروح، فتجد فيها( أعني في الإجازة) ملاذًا آمنًا. تعود فيه إلى بساطتها الأولى، تفرح بالأشياء الصغيرة، وتستعيد قدرتها على الامتنان.
وقتئذٍ يكتشف الإنسان أن السعادة لا ترتبط بكثرة الإنجاز فحسب، وإنما بحضور القلب، وبالقدرة على الشعور، وبالانسجام مع اللحظة.
تتلاشى المشاعر الثقيلة، وتحل محلها طاقة إيجابية، ونقاء داخلي، وشعور متجدد بالسلام.
الإجازة أيضًا مساحة لإعادة بناء العلاقات.
يتقارب أفراد الأسرة، يطول الحوار، وتتعزز الروابط الإنسانية بعيدًا عن الانشغال الدائم.
تتجدد الصداقات، وتُرمم العلاقات، ويشعر الإنسان بقيمة المشاركة والاحتواء. في هذه الأجواء، تتفتح المشاعر الصادقة، ويزداد الإحساس بالانتماء، ويكبر الشعور بالأمان العاطفي.
وحين تقترب نهايتها، لا يشعر الإنسان بالانفصال، وإنما يشعر بالاستعداد. يعود إلى عمله بروح أكثر إشراقًا، ونفس أكثر اتزانًا، ونظرة أوسع للحياة.
يعود وهو مدرك أن الراحة لا تقتصر على التسلية ولا تعني كثرة النوم كما أنها ليست من باب الغنى والترف لكنها استراحة محارب يعود أكثر قوة وأكثر عطاء، ينبغي أن يتحقق فيها الاعتدال في كل شيء، وأن التوازن هو أساس الاستمرارية، وأن العناية بالذات طريق للعطاء المستدام.
هكذا تظل الإجازة رحلة قصيرة في ظاهرها، واسعة الأثر في عمقها.
رحلة نستعيد فيها المعنى، ونغسل القلب من التعب، ونملأ الروح بانشراح هادئ، لنعود إلى الحياة بخطى واثقة، ونَفَسٍ مطمئن، وإرادة أكثر صفاء.