بقلم - موضي عوده العمراني
ما نراه اليوم من استهانةٍ بالكتب المدرسية ليس مشهدًا عابرًا ولا سلوكًا فرديًا يمكن تجاوزه، بل هو علامة خطيرة على تآكل قيمة العلم في الوعي الجمعي.
حين تُرمى الكتب في الساحات، وتُترك ممزقة في الممرات، أو تُعامل كعبءٍ ثقيل يُتخلّص منه فور انتهاء العام الدراسي، فنحن لا نشهد إهمال أوراق، بل نشهد انكسار فكرة، وانحدار رسالة، وسقوط هيبة كانت يومًا مقدسة.
الكتاب المدرسي لم يكن في يوم من الأيام مجرد منهجٍ إجباري، بل كان العمود الفقري لبناء العقل.
بين صفحاته تشكلت الأسئلة الأولى، ونمت البدايات، وتكوّنت ملامح الوعي.
كان يُحمل باحترام لأنه يمثل المعرفة، ويُصان لأنه يرمز للمستقبل.
أما اليوم، فقد تراجعت مكانته حتى أصبح في نظر البعض شيئًا مستهلكًا لا يستحق العناية ولا الاحترام.
إن الاستهانة بالكتاب ليست وليدة لحظة، بل هي نتيجة خللٍ متراكم في المنظومة التعليمية والتربوية.
حين يتحول التعليم إلى سباق درجات، ويغيب المعنى، ويُقتل الفضول، يفقد الطالب علاقته بالمعرفة، ويتحول الكتاب من رفيقٍ إلى عبء.
وحين لا يرى الطالب أثر ما يقرأه في حياته، ولا يشعر بأن ما بين يديه يصنع وعيه، فإنه يتعامل معه بلا اكتراث.
ولا يمكن إنكار أن طغيان التقنية أسهم في هذا التراجع، لكن المشكلة ليست في التقنية ذاتها، بل في تعليمٍ لم يُحسن التوازن.
المعلومة أصبحت سريعة، عابرة، بلا جهد ولا عمق، فغاب الصبر على القراءة، وضعفت العلاقة مع الكتاب الورقي، وتحوّل العلم إلى استهلاك مؤقت لا يترك أثرًا.
وهنا يصبح الكتاب المدرسي ضحية سهلة، لأنه لم يُقدَّم بوصفه أساسًا للفهم، بل مجرد وسيلة للاختبار.
تمزيق الكتاب أو رميه ليس شقاوة طلابية، بل مؤشر على انهيار قيمة.
أمة لا تحترم كتبها، لا تحترم تاريخها، ولا تصون مستقبلها.
فالعلم الذي لا يُوقَّر، يفقد قدرته على التغيير، والمعرفة التي تُهان، تتحول إلى معلومات بلا روح ولا أثر.
إن إهانة الكتاب هي إهانة للمعلم، وإساءة لدور المدرسة، وطعنٌ في جوهر الرسالة التعليمية.
المسؤولية هنا لا تقع على الطالب وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة التي لم تغرس احترام العلم، وتمر بمدرسةٍ أنهكها الروتين، ولا تنتهي عند خطابٍ مجتمعي قلّل من شأن المعرفة ورفع من قيمة كل ما هو سطحي وعابر.
وحين تتكامل هذه العوامل، يصبح مشهد الاستهانة بالكتب نتيجة طبيعية لا استثناء مؤلم.
نحن اليوم أمام خيارٍ واضح لا يحتمل التأجيل: إما أن نُعيد للكتاب المدرسي هيبته، ونزرع في الأجيال معنى المعرفة، ونربط التعليم بالحياة والوعي، أو نستمر في إنتاج أجيالٍ تحفظ وتنسى، تقرأ ولا تفهم، وتحمل الشهادات بينما تفتقد الجوهر.
فبناء الإنسان لا يبدأ من شاشة، ولا ينتهي بدرجة، بل يبدأ من كتابٍ يُحترم، وعلمٍ يُقدَّس، وقيمةٍ تُصان .