الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ يناير-٢٠٢٦       11770

بقلم ـ حمد حسن التميمي

في لحظة هدوء نادرة، قد يهمس الإنسان لنفسه: لماذا أشعر بالضيق رغم أنني أحب؟ لماذا يتحول القرب إلى عبء، والاهتمام إلى ضغط؟ الحقيقة أن الحب وحده لا يكفي، فحين تغيب الحدود، يضيع التوازن، وتفقد العلاقة ملامحها الآمنة.

كثيرون يظنون أن الحدود تُبنى بين الأعداء، لا بين الأحبة، لكنهم لا يدركون أن الحب بلا حدود واضحة قد يتحول إلى ساحة استنزاف.

الحدود ليست جفاءً، بل احترام. هي الطريقة التي نقول بها للآخر: "أنا أحبك، لكنني أحتاج أن أكون أنا أيضاً". حين نُهمل هذا الحق، تبدأ العلاقة في التهام المساحة الشخصية، وتتحول المشاعر الجميلة إلى التزامات مرهقة.

لا أحد يستطيع أن يُحب وهو يشعر بأنه مراقب، أو مُطالب دائماً بالتبرير، أو مُجبر على التضحية براحته ليُرضي الآخر.

الحدود النفسية ليست جدراناً تُبعد، بل جسوراً تُقرب.

هي إعلان مسؤولية عن الذات، عن مشاعرنا، عن احتياجاتنا.

حين نضعها، فإننا نُعلم من حولنا كيف يتعاملون معنا بلطف، ونُخبرهم بما يُزعجنا قبل أن يتحول إلى غضب صامت.

هي ليست أنانية، بل وعي ناضج يقول: "أنا أستحق أن أعامل بلطف، كما أحب بلطف".

ولمن يخشى أن تُفسد الحدود الحب، عليه أن يُعيد تعريف الحب نفسه.

الحب الناضج لا يطلب الذوبان، بل يحتفي بالتمايز. أن تكون قريباً دون أن تُلغى، أن تُحب دون أن تُفقد ذاتك.

ومن هنا تبدأ رحلة التوازن: أن تُعطي دون أن تُستنزف، أن تُشارك دون أن تُمحى، أن تكون حاضراً دون أن تُستهلك.

في المستقبل، سيُصبح الحديث عن الحدود جزءاً من أي علاقة ناضجة.

سيُنظر إليها كعلامة على الوعي، لا كعلامة على البرود.

وسيتعلم الناس أن الحب لا يعني التنازل عن الذات، بل احترامها أولاً، ليكون العطاء نابعاً من امتلاء، لا من نقص.

وفي النهاية، تذكر أن الحدود ليست خطوطاً تُرسم على الأرض، بل قيم تُرسم في القلب.

هي الطريقة التي تقول بها لنفسك: "أنا أستحق علاقة تُشبهني، تُنصفني، وتُحبني دون أن تُلغيني". ضع حدودك، لا لتبتعد، بل لتقترب بطريقة لا تُؤذيك. فالحب الذي لا يحترمك، لا يستحقك.