الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ يناير-٢٠٢٦       12870

بقلم ـ أحمد صالح الحلبي 

لعبت المرأة المكية دورا بارزا في خدمة البيت الحرام و قاصديه من حجاج ومعتمرين ، وبرز ذلك عبر العصور والأزمان فهذه الصحابية الجليلة صفية بنت عبد المطلب بن هاشم الهاشمية القرشية، عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، تقف فخوة متحدثة بشموخ عال قائلة : 

نَحْنُ حَفَرْنا لِلْحَجِيجِ زَمْزَمْ

سُقْيا نَبِيِّ اللهِ فِي الْمُحَرَّمْ

رَكْضَةَ جِبْريلٍ وَلَمَّا يُفْطَمْ

أما زبيدة بنت جعفر المنصور زوجة هارون الرشيد فقد تكفلت بتنفيذ مشروع مائي تاريخي ضخم امتدت قنواته من وادي نعمان إلى المشاعر المقدسة لتوفير المياه العذبة للحجاج.

وقدم ابن بطوطة وصفا جميلا لأهل مكة يوحي بالإعجاب بهم ، وقال عن نسائهم إنهن " فائقات الحسن، بارعات الجمال، ذوات صلاح وعفاف، وهن يكثرن التطيب حتى إن إحداهن لتبيت طاوية (تعمل) وتشتري بقوتها طيباً، وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة، فيأتين في أحسن زي، وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن، فيبقى أَثر الطيب بعد ذهابها عبقاً ".

وبرز دور المرأة السعودية الفاعل في خدمة المعتمرين والحجاج والمصليين في أكثر من موقع وقطاع ضمن منظومة متكاملة تضم مختلف القطاعات الصحية والأمنية والتطوعية ، وتجسدت مشاركتها في مواقع توعية متعددة فظهرت من خلال توعية المعتمرات والحاجات ، وحثهن على الإكثار من أعمال البر والطاعات ، وإطعام الطعام ونشر العلم والوعظ والتذكير والنصح والإرشاد وبذل المال ، وترك الجدال . 

وفي ورقة عمل قدمتها الاستاذة أشواق يوسف سروجي المرشدة السياحية بمكة المكرمة خلال مشاركتها بالمؤتمر الدولي ( ملهمات المستقبل تحت شعار " المراءة فارسة الدبلوماسية " ) ، الذي عقد بالعاصمة الأردنية عمان تحت رعاية سمو الشيخة عفراء بنت حشر بن مانع آل مكتوم ، خلال الفترة من 6 ــ 7 / 12 / 2025 ، أشارت إلى أن المرأة السعودية " ليست مجرد كادر وظيفي، بل شريك أساسي وقوة دافعة في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 ، وبينت أن " قصة المرأة في الحج ليست قصة مدينة ولا زمن… إنها قصة إنسانية تمتد من مكة… وتصل إلى العالم ، قصة تثبت أن الخدمة حين تكون من القلب… تتحوّل إلى رسالة… وأن المسؤولية حين تُختم بالرحمة… تُصبح أثرًا لا يزول " .

وبينت أن هناك عادات أصيلة بقيت حيّة عبر الزمن ، منها عادة القيس والخليف ، وهي عبارة شهيرة تردد كأهزوجة تراثية حجازية قديمة في مكة المكرمة في "الخليف" وهو يوم عرفة ، حيث يخرج النساء متنكرين بملابس الرجال ليطردوا الرجال الذين تخلفوا عن الحج ، ومن أجمل ما يقُمن به في يوم عرفة تحديدًا… أنهن لا يتركن الحرم خاليًا .

كما كانت نساء مكة يقفن على الطرقات يسقين الحجاج، يوجهن التائه، ويُطمئنّ قلوب الخائفين… في وقتٍ كان فيه الطريق طويلاً، والإمكانات قليلة، لكن الرحمة كانت كبيرة.

وأوضحت أن الشرف الكبير للمراءة السعودية جاء بفوز فريق بارع الذي تنتمي إليه بجائزة "مبدعون" من وزارة الحج والعمرة في العام الماضي ، والجائزة لم تكن مجرد تكريم ، بل كانت تأكيدًا أن المرأة السعودية اليوم تصنع مستقبل الخدمة ، تبتكر ، وتُقدّم حلولا تنطلق من أصالة تاريخ، وحداثة رؤية ، كما أن مشاركتها "في هاكاثون أنسنة المشاعر، برز كفكرة خرجت من الميدان، من التجربة، من القلب ، فكرة تمس احتياجات الحاج، وتحسن تجربته، وتُشعره بأن مكة لا تخدمه فقط… بل تحتضنه.

أما مبادرة سكة مكة فلم تكن مجرد منتج بل هو نقل لمعالم مكة وتاريخها و حكاياتها من مكة إلى العالم يهدف لأثراء الكبار والصغار و ذوي الهمم وقالت : " من خلال خدمتي للزوار والحجيج انا ومعي الاستاذة خديجة أبو الحسنات و المهندسة فاطمة ابو الحسنات استلهمنا فكرة دمج التقنية بالسياحة و التثقيف و التاريخ لنصنع منتج يعتبر تحفة ملهمة لمحبين مكة وزوارها " .

وهنا أقول إن المرأة السعودية في رؤية 2030 تمثل شريك أساسي في التنمية ، وحينما وجدت الدعم والمؤازرة برزت أعمالها وتحدثت منجزاتها ، ورأينا أن دورها في خدمة قاصدي البيت الحرام مرتبط بقصة تجمع بين التاريخ القديم والحديث ، والشريعة الإسلامية التي مكنتها من العمل وفقا لضوابط شرعية ، والمواقف الإنسانية التي برزت في أعمالها وبرامجها ومبادراتها التطوعية .