بقلم - جنيد الشيخ حسن
تلك القمّة الشامخة التي اعتلت منصّات التكريم؛ لتكون أوَّلَ منقّبةٍ سطَّرتْ بأنَّ حرّيةَ القلم في الأدب العربيّ شأنٌ وكونٌ تصنعهنَّ الحرائر في سوريا، بكلِّ شرائحهنَّ ودرجات التزامهنَّ.
كما أنها الكاتبة السوريَّة المُنقبة الأولى التي تفوزُ بجائزة، وتعتلي منصة المسرح لتتسلمَ الجائزة، وهي بهذا تأخذنا لدلالات عديدة، حيثُ أنَّ النِّقاب لا يقفُ عائقًا أمام الإبداع، ولكن في ظلِّ النِّظام البائد لم تكن أي فتاة مُنقبة تستطيع المشاركة بهكذا مسابقات، أو هكذا تجمعات.
فكان خمارُها الأسود إيحاءً صادقًا بالحرية التي جسَّدَتْها "زكية" وهي لم تُتِمَّ عقدها الثالث بعد.
لقد برزَتْ لنا كقرَّاء دليلاً حيَّاً على أنَّ الشكل والمضمون وجهان حقيقيان للحرية التي بدأت تسري في عروق الحياة الأدبية بعد سقوط النظام البائد.
إنَّ "زكية" هي أيقونةٌ تعبِّر عن نموذج التجارب الاجتماعيّة المؤثِّرة التي تقضُّ مضجعَ كلِّ قارئ، فهي حالةٌ عاشها ويعيشها الجميع؛ حالةُ البحث عن الذات تحت وطأة الواقع ومحدوديَّاته.
أمّا عن روايتها "سندس" فهي ليست مجرّد حكاية تُروى، أو سردٍ يُستهلك على عَجَل، بل هي تجربة وجدانية كاملة تسري في أعماق القارئ منذ اللحظة الأولى؛ لتأخذه في رحلة إلى عالمٍ يتقاطع فيه الحلمُ مع الواقع، والطموحُ مع الخيبات، والأملُ مع الانكسارات.
نلمح هذه الرمزية منذ الغلاف الموحِي، حيث تتصدّرُ الصورة شجرةً شامخةً تحت قمرٍ يضيء عتمةَ الليل؛ تومئ الكاتبة من خلالها إلى دلالة عميقة: فكما تتجذّر الشجرة في الأرض وتناطح السماء بنموّها، كذلك تسعى بطلةُ الرواية "سندس" لأن تتجذّر في واقعها وتواجه مصيرها، ولو أثقلها الليل بظلاله الكثيفة.
ومن كلمة الغلاف الخلفي، يتّضح أنَّ الرواية تنبض بأسئلة كبرى عن جدوى العمر، وعن الذاكرة التي تجرُّ خلفها الماضي بكلِّ ثقله، وعن المرأة التي تحاول أن تقول كلمتها وسط عالمٍ لا يُصغي إليها إلا قليلاً.
وفي عتبات البناء الفني في الرواية ، تمضي الأحداث في "سندس" ضمن نسيجٍ متماسكٍ، يشهد على براعة "زكية" في ترابط الفصول وحُسن الانتقال بين المواقف؛ فلا تجد مشهدًا منقطعًا عن سابقه، ولا فكرةً هائمةً في فراغ، بل كلُّ تفصيلٍ يسلّم إلى الآخر بانسيابٍ سلس، وكأنَّ الحكاية نهرٌ واحد يتفرّع ثم يعود ليلتقي في مجراه الرئيس.
وقد نجحت الكاتبة، بإتقانٍ لافت، في رسم شخصية بطلة الرواية الطموحة بعمقٍ إنسانيٍّ يندر أن نجد له مثيلاً؛ فهي ليست شخصيةً ورقيةً، بل فتاةً من لحم ودم، تتطلّع إلى مستقبل أفضل، لكنّها تجد نفسَها ضحيّة خيبات متراكمة، بعضها نتاج خياراتها الشخصية، وأكثرها حصيلة مجتمع يضيّق على المرأة أنفاسها، ويجعلها تدفع ثمناً مضاعفاً لكلِّ حلمٍ تعمل على تحقيقه.
وإذا تحدّثنا عن لغة الرواية فإنّ لغة "زكية شيخ حميدي" في هذه الرواية تحمل رهافةً خاصّة؛ فهي قادرة على أن تمزج بين دفء البوح وقسوة الواقع في آنٍ واحد.
تراها حيناً شفّافةً حالمةً، تستدعي الصور الشعرية وتغزلها بمهارة، وحيناً آخر تكون صارخةً وجارحةً، تواجه القارئ بحقيقة قاسية أو بانكسارٍ مؤلم.
وهنا تبرز قوة الأسلوب الذي لا يكتفي بنقل الحدث للقارئ، بل يمنحه إحساساً عميقاً بالحدث ذاته، ويجعلَه يعيش تفاصيله وكأنّه جزءٌ لا يتجزأ من عالم الحكاية.
هذه اللغة المتدفّقة تجعل الرواية تتحوّل إلى مرآة ناطقة تعكس كلَّ ما يعتمل في الداخل الإنساني من مشاعرَ متضاربة: الخوف والأمل، الصبر والانتظار، القوّة والضعف.
أمّا البحكة الدرامية فتكمُنُ واحدةٌ من أبرز نقاط القوّة والجاذبية في النص؛ إذ استطاعت الكاتبة أن تبني الحبكة على تصاعدٍ متوازنٍ ومحكم، فتجعل القارئ مأخوذاً بكلّ خطوة، مشدوداً إلى ما سيأتي، حتى يجد نفسه وقد أنهى الرواية من أولها إلى آخرها دون أن يشعر بثقل الوقت أو ملل الانتظار. هذه القدرة الفائقة على شدّ انتباه القارئ والإمساك بخيوط اهتمامه حتى النهاية ليست بالأمر الهيّن، بل هي ثمرةُ خبرةٍ روائية ووعيٍ عميقٍ بفن السرد – رغم صغر سن كاتبتنا – حيث لا تُلقى الأحداثُ عشوائيّاً أو اعتباطاً، بل تأتي كلُّ عقدةٍ كضرورةٍ سرديّةٍ محسوبة، وكلُّ حلٍّ يكون نتيجةً طبيعيّةً وحتميّةً لما سبقها من أحداث وتراكمات.
القيمة الاجتماعيّة والواقعيّة..
إنَّ أهمَّ ما يجعل "سندس" عملاً استثنائيّاً هو أنّها رواية مستوحاة من الواقع بكلِّ جزئياته وتفاصيله، لا تتعالى على الحياة اليومية بل تحاكيها بدقّة وصدقٍ شديدين.
فهي تُضيء مكامنَ الضعف والقوة في الإنسان، وتكشف عن حال الواقع الذي نعيشه جميعاً في ظلّ ما نحن فيه من تحوّلات، كما تُجسّد معاناة المرأة الطموحة التي تحاول أن تفرض وجودها وتُحقّق ذواتها وسط عالمٍ يضيق بأحلامها، ويُقيّد طموحاتها بقيود المجتمع والتقاليد.
وهنا تتجلى قيمة الرواية العظيمة كوثيقةٍ أدبيةٍ واجتماعية تُسجّل بدقّة تفاصيل مرحلةٍ بكامل تعقيداتها، وتجعل القارئ يعيد التفكير في أسئلته الخاصة حول معنى الحياة، وطبيعة الخيبة، وكيفية المحافظة على جذوة الطموح، وإمكانية وجود الأمل في أصعب الظروف.
ولا يسعنا، ونحن نقف إجلالاً أمام هذا الجهد الأدبي الرصين، إلا أن نرفع أسمى آيات التهنئة للكاتبة المبدعة "زكية حميدي" على نجاحها الكبير الذي لم يقف عند حدود رواية "سندس" وحدها، بل تواصل وتأكّد بفوز روايتها الجديدة "#هيت_لك" بالمركز الأول في مسابقة أدبية مرموقة.
وهذا الإنجاز اللامع يليق بمبدعة تحمل هذا النفس الطويل، وهذه الرؤية العميقة الثاقبة، وهذا الإصرار على العطاء.
إنّ هذا الفوز المُشرّف لا يُعدّ نجاحاً شخصيّاً لها فقط، بل هو نجاحٌ لنا جميعاً، لأبناء الجزيرة السوريّة خاصّةً وللقارئ العربيّ عامّةً، الذي يجد في صوتها امتداداً لصوته، وفي قصصها وأحزانها وأفراحها انعكاساً لتجربته الإنسانية وهمومه الوجودية.
بهذه الروح، وتلك القوّة، تخرج رواية "سندس" من حدود الورق والحبر، لتصبح جزءاً من الوعي الجمعي، وصوتاً أدبيّاً يدوّي في وجداننا؛ لتكون شهادةً صادقةً على معاناة الإنسان في بحثه الدائم عن معنى حياته، وعن مكانه في هذا العالم.
وبذلك، تثبت "زكية شيخ حميدي" أنها ليست مجرّد كاتبةٍ تسرد الحكايات، بل هي مبدعةٌ تُنير الدروبَ المظلمةَ بكلماتها، وتجعل من الرواية فعلَ مقاومةٍ ضدّ النسيان والجمود، وصرخةَ أملٍ عاليةٍ تعلو وسط ضجيج الخيبات الكثيرة؛ لتُذكّرنا جميعاً بأنَّ فسحةَ الأمل الحقيقية تُصنع بقلمٍ صادقٍ وإصرارٍ لا يتزعزع.