بقلم - د.طارق بن حزام
في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، لم تعد أحلام الأطفال حبيسة المهن التقليدية،بل اتجهت إلى فضاءات جديدة تصنعها الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومع تنامي تأثير صُنّاع المحتوى، باتت عبارات من قبيل «أريد أن أصبح يوتيوبر» تتردد على مسامع كثير من الآباء، حاملةً معها أسئلة تربوية عميقة تتجاوز حدود الترفيه إلى مسؤولية التوجيه وبناء الوعي.
لم تعد تربية الأبناء اليوم مسألة أوامر ونواهٍ بقدر ما أصبحت فنًّا في الفهم والمواكبة.
فالمشكلات لا تُعالَج بإنكار الواقع، ولا بتجاهل التحولات التي أعادت تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
وكما لا يمكن للطبيب أن يصف علاجًا دون تشخيص، لا يستطيع المربّي أن ينجح في التوجيه ما لم يُحسن قراءة المشهد الذي يعيش فيه أبناؤه.
حين يصرّح طفل برغبته في أن يصبح «يوتيوبر» أو «صانع محتوى»،فإن ذلك لا يعكس بالضرورة انحرافًا في الطموح، بقدر ما يعكس طبيعة جيل نشأ في قلب التقنية.
جيلٌ سريع التعلّم، واسع الاطلاع،شديد الاتصال بالعالم الرقمي، تتشكّل اهتماماته عبر منصات مرئية تروّج لنماذج براقة من الشهرة والنجاح السريع،دون أن تُظهر الكلفة الحقيقية الكامنة خلف هذه الصورة.
المعضلة لا تكمن في المسمّى، بل في الصورة الذهنية التي يحملها الطفل عن هذا العالم؛ إذ يراه مساحة للمتعة المطلقة، والتحرر من الالتزامات،والعائد السهل، بينما يغيب عنه حجم الجهد والانضباط والمسؤولية الأخلاقية التي تفرضها صناعة المحتوى.
وهنا يبرز دور الأسرة في إعادة تشكيل هذا الوعي،لا عبر المنع القاطع الذي لم يعد مجديًا،ولا عبر الإطلاق غير المحسوب الذي يترك الطفل عرضة للمخاطر.
فالمنع التام يصطدم اليوم بواقع تقني يتجاوز كل القيود، كما أن التساهل الكامل يفرغ الدور التربوي من مضمونه.
والحل الأقرب إلى الاتزان يتمثل في المشاركة الواعية؛أن يقترب الآباء من اهتمامات أبنائهم، يتابعوا ما يشاهدونه، ويعلّموهم مهارات الاختيار والنقد، ويكشفوا لهم الرسائل السلبية غير المباشرة التي قد تتسلل عبر المحتوى الترفيهي.
وإذا أصرّ الطفل على خوض تجربة صناعة المحتوى،فإن إدارتها بشكل تربوي منضبط قد تتحول إلى فرصة تعليمية؛ من خلال الإشراف المباشر، وتحديد هدف القناة،وضبط الخصوصية،وتعريف الطفل عمليًا بحقيقة الجهد المبذول خلف الكاميرا.
فالتجربة الواقعية كثيرًا ما تكون كفيلة بتبديد الأوهام،وتصحيح التصورات الحالمة.
خاتمة
إن الانخراط الواعي في العالم الرقمي لا يعني الاستسلام له، كما أن الحذر منه لا يعني الهروب منه.
فالتحدي الحقيقي الذي يواجه الأسرة اليوم هو تحقيق التوازن بين الفهم والحزم،وبين القرب والتوجيه.
ومع غرس القيم الدينية والأخلاقية،وبناء الوازع الداخلي،وتقديم البدائل الهادفة،يمكن للتقنية أن تكون أداة بناء لا معول هدم،ومسارًا للتعلّم لا بابًا للضياع .
ويبقى الأبوان – بعد توفيق الله – خط الدفاع الأول في حماية وعي الأبناء، وصناعة جيلٍ يعرف كيف يستخدم أدوات عصره دون أن يفقد بوصلته