بقلم - باسم سلامه القليطي
ليست كل الإساءات وليدة جهلٍ بسيط، فبعضها يولد من رحم الحقد حين يعجز صاحبه عن إدارة خلافه بكرامة.
حين يخرج الممثل (محمد صبحي) ليصف المملكة العربية السعودية بعبارة «أرض البعير»، فهو لا يطلق توصيفا عابرا، بل ينحدر بوعي كامل إلى لغة الاستنقاص.
هذه الجملة لم تُقل على سبيل الدعابة، ولا في سياق اجتماعي بريء، بل جاءت في خضم خلاف عادي، فاختار صاحبها أن يغادر مساحة الرأي إلى مساحة الإهانة.
والعبارات، مهما بدت بسيطة في ظاهرها، حين تُقال بقصد السخرية من وطن، تتحول إلى إساءة صريحة، لا يخفف منها ادعاء البراءة ولا قناع "العفوية".
الأخطر في عبارة «أرض البعير» التي أطلقها الأراجوز محمد صبحي أنها لا تكشف موقفا سياسيا ولا رأيا ثقافيا، بل تكشف عقلية ترى في الانتقاص اختصارا للنقاش، وفي السخرية بديلا عن الحجة.
فهو يعرف وزن الكلمة وتأثيرها، لم يكن جاهلا بدلالات ما قال، بل كان مدركا أن العبارة محمّلة بتاريخ طويل من الاستعلاء والازدراء.
وحين يصدر هذا الخطاب من شخصية عامة، فإن المسألة لا تعود زلة لسان، بل سقوطا أخلاقيا يُحسب على صاحبه، لا على من وُجّهت إليه الإساءة.
فالمملكة العربية السعودية ليست وطنا يُختزل في توصيف ساخر، ولا أرضا تُقاس بنكات عابرة، بل هي أرض الحرمين الشريفين، وقلب العالم الإسلامي النابض.
فيها قبلة المسلمين التي يتجه إليها المؤمنون في صلاتهم كل يوم، ومنها انطلق نور الوحي، وعلى أرضها نزل القرآن الكريم.
فيها عاش النبي محمد ﷺ، ومنها انتشرت رسالة الإسلام إلى العالم، لتصنع أعظم تحول روحي وأخلاقي في تاريخ البشرية.
في هذه الأرض، مكة المكرمة، المدينة المقدسة التي يُشدّ إليها الرحال من كل فج عميق، بها الكعبة المشرفة، ومقام إبراهيم عليه السلام، وبئر زمزم، وبها تُضاعف الحسنات.
والمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، مدينة الرحمة والنور، فيها مسجد رسول الله ﷺ، ومسجد قباء، ومسجد القبلتين، وفيها قبور الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين.
أي أرض في العالم يمكن أن تدّعي مثل هذا الشرف؟ وأي وطن يمكن أن يحمل في جغرافيته هذا القدر من القداسة والرمزية الدينية؟
ولأن من يستخفّ بالكلمات غالبا يجهل موازين القوة، فلا بد من التذكير بأن المملكة العربية السعودية ليست مجرد رمز ديني فحسب، بل ثِقَل سياسي واقتصادي مركزي في معادلة العالم.
هي دولة يُحسب لها الحساب في الإقليم والعالم، وصوتها حاضر في القضايا الكبرى، من أمن الطاقة إلى استقرار المنطقة، ومن أسواق المال إلى طاولات القرار الدولي.
وإلى جانب ذلك، تشهد السعودية منذ عقود تحولا ثقافيا ومعرفيا واسعا؛ نهضة في التعليم، وانفتاحا واعيا على الفنون والمعرفة، وبناء للإنسان قبل الحجر.
من يجهل هذا كله، ثم يتحدث بسخرية، لا يعبّر عن رأي، بل يعلن جهله بمشهد أكبر منه بكثير.
يبدو أن محمد صبحي قرر أن يوفّر على نفسه عناء التفكير، فاكتفى بأن يترك لسانه يعمل وحده.
لم يقدّم فكرة، ولا موقفا، بل قدّم نفسه مثالا حيا على أن السخرية حين تصدر من عقلٍ فارغ، لا تُضحك أحدا بقدر ما تفضح صاحبها.
أراد أن يستنقص، فانكشف؛ وأراد أن يبدو جريئا، فظهر صغيرا، ضحلا، وأسير حقدٍ لا يعرف كيف يلبس ثوب الكلمة.
ستبقى هذه الأرض المباركة في مقامها العالي، وسيبقى هو حيث وضع نفسه: في هامش الكلام، أسير عبارةٍ لن تمس وطنا عظيما، لكنها ستلاحقه طويلا.