الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ ديسمبر-٢٠٢٥       9295

بقلم - ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية

عند تأمل خريطة العالم، تبدو مساحتان متباعدتان جغرافيا وكأنهما تعكسان نموذجين متطرفين للحضارة الزراعية البشرية.

فمن جهة، تمتد الصحارى الواسعة ذات الشمس الحارقة وشح المياه في شبه الجزيرة العربية، ومن جهة أخرى، تقف الصين بموارد أرضية محدودة وكثافة سكانية عالية وضغوط مستمرة على الأراضي الصالحة للزراعة.
وفي الحالتين، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود الجغرافيا: كيف يمكن تخطي القيود الطبيعية وبناء نظام غذائي مستقل ومستدام؟

هذا السؤال يشكل أحد المرتكزات العميقة في استراتيجيات التنمية لدى الجانبين. وعندما تلتقي رؤية السعودية 2030 مع مفهوم الزراعة الشامل ومفهوم الغذاء الواسع في الصين، تتبلور شراكة استراتيجية جديدة تهدف إلى إطلاق الإمكانات الكامنة للزراعة في البيئات الجافة، واستكشاف مسارات مستقبلية مبتكرة للأمن الغذائي، بوضوح وعمق غير مسبوقين.
تحديات مشتركة تشكل أساس التفاهم
يعد الأمن الغذائي في جوهره قضية إدارة فعالة للمياه والأراضي.

ففي مساحات واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نجد الظروف المناخية القاسية وندرة الموارد المائية التي تعتبر من تحديات البنية التحتية لأنماط الزراعة التقليدية، ما يجعل التحول نحو زراعة حديثة ومستدامة خيارا استراتيجيا لا غنى عنه.
وانطلاقا من هذا الإدراك، تضع رؤية السعودية 2030 تطوير الزراعة العالية الكفاءة وتعزيز الاستدامة في صميم مسار التحول الاقتصادي، ليس فقط لضمان استقرار الإمدادات، بل أيضا لبناء قطاعات جديدة قائمة على الابتكار والتكنولوجيا، وتحويل البيئات الجافة إلى فضاءات إنتاجية ذات قيمة مضافة.
وفي سياق مواز، تواجه الصين تحديا لا يقل تعقيدا، إذ تؤمن الغذاء لما يقارب خمس سكان العالم باستخدام نحو 9 في المئة فقط من الأراضي الصالحة للزراعة عالميا.

ومنذ طرح السؤال التاريخي حول كيفية إطعام هذا العدد الهائل من السكان، جاء الرد الصيني واضحا وحاسما، ما أدّى إلى بلورة مفهوم الزراعة الشامل ومفهوم الغذاء الواسع.
هذا المفهوم يتجاوز الاعتماد الحصري على الأراضي الزراعية التقليدية، ويتجه نحو توسيع مصادر الغذاء عبر كامل المجال الجغرافي، والاعتماد على الابتكار العلمي والتكنولوجي لبناء منظومة غذائية متعددة المصادر، عالية المرونة وقادرة على الصمود.
ولا يمثل هذا التقاطع مجرد مصادفة جغرافية، بل نتيجة حتمية لخيارات استراتيجية واعية.

فكلا الجانبين يدرك أن القيود الصارمة للموارد الطبيعية لا يمكن تجاوزها إلا عبر المعرفة والتكنولوجيا والابتكار المنهجي، وهو ما يشكل الأساس الأكثر صلابة لتعميق التعاون الزراعي الصيني العربي.
التجربة الصينية ودروس الحلول المنهجية
توفر التجربة الصينية نموذجا ذا قيمة مرجعية عالية للزراعة في البيئات المحدودة الموارد.

ويقوم هذا النموذج على تحسين العناصر الأساسية إلى أقصى حد ممكن وتحقيق التكامل بينها ضمن منظومة واحدة.
ففي المقام الأول، التزمت الصين بحماية صارمة للأراضي الزراعية ضمن إطار مؤسسي واضح، بالتوازي مع تنفيذ برامج واسعة لتطوير الأراضي الزراعية العالية المعايير، مما أسهم في رفع كفاءة الإنتاج وضمان قاعدة مادية راسخة للأمن الغذائي.
وفي الوقت نفسه، شكلت التكنولوجيا المحرك الرئيسي للتحول الزراعي.

إذ ركزت الصين على البذور والمعدات بوصفهما عنصرين حاسمين، فاستثمرت في التربية الذاتية للبذور باعتبارها جوهر السيادة الزراعية، إلى جانب تعميم الميكنة والرقمنة والذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل الإنتاج. 
ومن الأصناف الزراعية العالية الإنتاجية، إلى المعدات الذكية المنتشرة على نطاق واسع، وصولا إلى المصانع النباتية التي تتيح التحكم الدقيق في دورة النمو، أصبحت التكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من البنية العميقة للقطاع الزراعي.
والأهم من ذلك، أن مفهوم الزراعة الشامل ومفهوم الغذاء الواسع أعادا تشكيل النظرة إلى سلسلة القيمة بأكملها، من المصدر إلى المائدة، ومن الحقول إلى الغابات والبحار، مما أوجد شبكة غذائية متنوعة وقادرة على مواجهة المخاطر.

وقد أثبتت النتائج، وعلى رأسها ارتفاع نصيب الفرد من الغذاء إلى مستويات تفوق المعايير الدولية للأمن الغذائي، فعالية هذا النهج الشامل واستدامته.
إطلاق الإمكانات الكامنة عبر ثلاثة مسارات للتعاون
لا تقتصر آفاق التعاون الزراعي الصيني العربي على نقل التكنولوجيا أو تبادل المنتجات الزراعية، بل تقوم على شراكة استراتيجية قائمة على التكامل العميق، ويتجلى عمقها في ثلاثة مسارات رئيسية.
في مسار الابتكار المشترك، يمكن للتعاون أن يستهدف التحديات الجوهرية للزراعة في البيئات الجافة.

فمن خلال إنشاء منصات بحث وتطوير مشتركة، يمكن دمج خبرات الصين في التربية الحيوية، وتقنيات الري الذكي، مع الموارد الوراثية المحلية في الدول العربية، لتطوير محاصيل وتقنيات قادرة على التكيف مع الجفاف والملوحة، بما يشكل مساهمة نوعية في الأمن الغذائي العالمي.
وفي مسار إعادة تشكيل القطاع، يمتد التعاون ليشمل كامل سلسلة القيمة، من المعدات الزراعية الذكية والبيوت المحمية، إلى التخزين الحديث، والمعالجة الغذائية المتقدمة، وبناء العلامات التجارية الموجهة لأسواق الخليج وأوروبا.

ويسهم هذا المسار مباشرة في دعم التصنيع الزراعي وخلق فرص العمل، بما ينسجم بعمق مع أهداف التنويع الاقتصادي في الدول العربية.
أما في مسار بناء النماذج، فيمكن للجانبين أن يتعاونا على صياغة معايير جديدة للزراعة الذكية الموفرة للموارد.

ومن خلال دمج التقنيات الرقمية الصينية، وحلول الطاقة المتجددة، مع القدرات الاستثمارية وقنوات السوق في السعودية، يمكن إنشاء مشاريع زراعية نموذجية ذات طابع عالمي في شبه الجزيرة العربية، تقدم نماذج قابلة للتكرار في المناطق الجافة حول العالم.
نحو شراكة مستقبلية ذات بعد استراتيجي
من الواضح أن التعاون الزراعي الصيني العربي يشهد تحولا نوعيا في مضمونه.

فقد تجاوز مرحلة التكامل التجاري التقليدي، ليدخل مرحلة الشراكة الاستراتيجية القائمة على البحث المشترك، ووضع المعايير، واستكشاف الأسواق، والتعامل الجماعي مع التحديات العالمية. 
وتتمثل الرؤية النهائية لهذه الشراكة في إيجاد مسار مبتكر يحقق الازدهار الزراعي والانسجام البيئي في أراضي غنية بالشمس ومحدودة المياه.

وهو مسار قد يجعل غذاء المستقبل نتاج مزارع عمودية مشتركة، وطاقة الزراعة مستمدة من مشاريع خضراء مستدامة، بينما تتحول المعايير التقنية والإدارية المشتركة إلى منفعة عامة تخدم المناطق الجافة عالميا.
وفي عالم يواجه تحديات متصاعدة بفعل التغير المناخي، يبقى الأمن الغذائي أحد أعلى أشكال المرونة الاستراتيجية.

فالصين تمتلك حلولا منهجية مجربة وقدرات صناعية متكاملة، فيما تمتلك الدول العربية إرادة تحول واضحة، ورؤوس أموال وبيئات تطبيق واسعة.

ويهدف هذا التكامل العميق إلى تحرير الإمكانات التي قيدتها الظروف الطبيعية، ليصبح التعاون الزراعي ركيزة أساسية للعلاقات الثنائية، ومساهمة ضرورية في توسيع آفاق التنمية البشرية في البيئات القصوى.
وهنا تحديدا تتجسد آفاق مستقبل العمق الاستراتيجي للتعاون الصيني العربي.