النهار
بقلم - طارق بن حزام
ظلّ السؤال السكاني حاضرًا في الجدل التنموي منذ قرون: هل تمثّل كثرة السكان عبئًا يلتهم الموارد، أم قوةً قادرة على دفع عجلة التنمية؟ وقد انقسمت الرؤى حول هذه المسألة إلى اتجاهين متباينين؛ أحدهما ربط الزيادة السكانية بالمجاعة والفشل التنموي، وهو طرح لم تثبته الوقائع التاريخية ولا التجارب الحديثة، والآخر يرى أن الإنسان هو جوهر التنمية ومحركها الحقيقي.
لقد أثبتت الخبرة العملية أن الإشكال لا يكمن في عدد السكان بقدر ما يكمن في كيفية إدارتهم. فدولٌ شهدت نموًا سكانيًا كبيرًا، مثل الصين والهند والبرازيل، استطاعت في الوقت نفسه تحقيق قفزات اقتصادية ملموسة، حين رافقت الزيادة السكانية بسياسات فاعلة في التعليم والتأهيل وتوسيع فرص العمل. وعلى النقيض، تواجه دول متقدمة اليوم، مثل أوروبا واليابان، تحديات متزايدة نتيجة شيخوخة السكان وتراجع أعداد القوى العاملة، حتى بات العامل الديموغرافي أحد أبرز ملفات الأمن القومي.
ويعزّز هذا المعنى المنظور القرآني والنبوي، الذي قدّم الكثرة المؤمنة العاملة بوصفها نعمةً ومددًا للأمم لا عبئًا عليها. فالقرآن الكريم يربط بين الكثرة والقوة والرزق، ويجعل العنصر البشري سببًا في النماء والعمران، قال تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾،
وقال سبحانه:
﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾.
كما حثّت السنة النبوية على التكاثر بوصفه عنصر قوة للأمة، حين قال النبي ﷺ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم»، وذلك في إطار الإنسان الفاعل المنتج لا المعطّل.
وفي السياق العربي، تكشف تجارب بعض الدول عن خلطٍ واضح بين المشكلة والحل؛ فبرغم تراجع معدلات النمو السكاني خلال السنوات الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، لم تنعكس هذه المؤشرات إيجابًا على التنمية الاقتصادية أو الاجتماعية، بل استمرت التحديات المرتبطة بالدين العام وارتفاع معدلات الفقر. ويؤكد هذا الواقع أن جوهر الأزمة لا يكمن في عدد المواليد، بل في السياسات العامة، وسوء التوزيع الجغرافي للسكان، وضعف الاستثمار في رأس المال البشري.
إن اختزال التنمية في خفض عدد السكان لا يعكس رؤية استراتيجية بقدر ما يعكس قصورًا في إدارة الموارد. فالسكان قد يكونون نعمة أو نقمة، تبعًا لكيفية توظيفهم. فإذا نُظر إليهم بوصفهم عبئًا، أصبحوا كذلك، وإذا عوملوا باعتبارهم موردًا استراتيجيًا، تحوّلوا إلى رافعة للنمو ومحرك للتنمية المستدامة.
خاتمة
ليست الزيادة السكانية هي العائق الحقيقي أمام التنمية، بل السياسات التي تعجز عن تحويل الإنسان من مستهلك إلى منتج. فالتنمية الحقيقية تبدأ حين تتغير نظرتنا إلى السكان من مشكلة ينبغي تقليصها، إلى ثروة يجب بناؤها وتنميتها. وعندها فقط تتحول الكثرة من عبءٍ ثقيل إلى نعمةٍ فاعلة، ومن رقمٍ في الإحصاءات إلى قوة تصنع المستقبل