بقلم -أحمد صالح حلبي
لم أكن شاعرا أبني الأبيات وأنظم القصائد ، لكنني عاشق للشعر متذوق لكلماته مستمتع ببلاغته التي تحمل حسن الوصف وجمال الطباق ، وحينما شرفني الدكتور عبدالله باشراحيل بإهدائي نسخة من ديوانه " شموس مظلمة " ، والذي جاء في نحو 160 صفحة من الحجم المتوسط ، وضم أكثر من مائة وثلاثون قصيدة ، اعتبرت نفسي محظوظا بالحصول على هذا الكنز ، خاصة وأن الشاعر قد جعل إهدائه لخير بقاع الأرض مكة المكرمة ، فدون لها قائلا : " إلى مكة ، مدينة الهدى ، قبلة الروح " .
وإن خصص الإهداء لأم القرى ، فلم يغفل من عمل على تطوير مرافقها وتوفير الخدمات لقاصديها من معتمرين وحجاج ، فجاءت افتتاحية الديوان بقصيدة ( الملك سلمان ) ، والتي يقول فيها :
سلمان يادوحة بالطيب وارفه
يجلل الزهر فيها وهو فينان
يامنبع الصدق والايثار في زمن
عز المجير به والعصر عدوان
فأنت للبائس المظلوم منتصر
تذب عنه الرزايا حين يختان
بالعزم والحزم قد أبليت مقتدرا
وأنت للقيم السمحاء بنيان
سلمان إن الأماني الزهر قادمة
بالبشريات وفأل الخير جذلان
فإن رأيناك نور المجد في غدنا
فإنك اليوم شمس الحق ، سلمان
وإن تحدث الشاعر عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ يحفظه الله ـ فإنه تناول الكعبة المشرفة بقدسيتها ، ولم يتحدث بلغة الشاعر بقدر حديثه بلغة المؤمن العاشق لقبلته ، فقال :
سوف أصبو إليك في كل حال
قبلتي أنت قبلة الجمال
أأماري إذ الحبيبة أغلى
من حياتي ودنيتي ثم مالي ؟
هي نجوى المشوق في كل وقت
وهي همس القلوب بالامتثال
وعاد الشاعر مجددا ليأخذنا إلى أم القرى بقصيدة جعل عنوانها " لولاك مكة " ، وحديثه عن مكة المكرمة ، وعشقه لها رغم الصعاب التي وأجهته ظهرت واضحة في مضمون كلماته ، وهذا ما يبدو في قوله :
اقسمت بالله الودود
لولاك مكة لن أعود
ماذا جنيت من الورى
إلا الكراهة والصدود
قلبي الذي أشقيتني
بالحب ليتك لا تجود
من كنت أهديه المنى
أهدى الحساسة والجحود
ماذا أعد من الأسى ؟
ماذا وقد خان الشهود ؟
ورحلت أستشفي من ال
آلام ، من حقد الحقود
عفت الحياة ، وعذت
بالرحمن من شر الحسود
وعشق الشاعر لمكة المكرمة ليس بجديد ، فقد سبق وأن تغنى بها أكثر من مرة ومنها قوله :
مكة الحب وأعلام تراءت
وسقت وديانها شمساً وظلا
إنها رجع براءات نشاوى
وهنا طين المنى قد صار فلا
وتناول الشاعر الحديث عن الكعبة المشرفة ، ومكة المكرمة ، وابرز دور خادم الحرمين الشريفين في خدمتهما وخدمة قاصديها من معتمرين وحجاج ، قابله تناول أيضا للحج كفريضة واصفا شوق المسلمين لأدائه بقوله :
لبيك لبت قلوب شاقها الحج
ترجوك رب الهدى الغفران كي تنجو
حجت إليك نفوس أنت خالقها
قد أثقلتها ذنوب مالها خرج
كل يناجيك يا مولاي في أمل
أن تستجيب طغى من حولنا الموج
وإن اعتبر الشعراء العيد فرصة للفرح والبهجة والسرور ، وأخذوا في التغني بجمال أيامه ووصف ملتقياته ، فإن الشاعر الدكتور عبدالله باشراحيل وصف العيد بالفرحة التي تجمع المحبين ، وفرصة لطلب الغفران من رب العباد ، فقال :
انزع لثامك ياهلال العيد
واصدح لنا بالحب والتمجيد
وأنشر سناك مهابة وجلالة
وسماحة تزهو بكل جديد
وناجى ربه قائلا :
يارب فلتجبر بفضلك كسرنا
وأرحم بفضلك ضعف كل فقيد
واغفر ذنوب المسلمين جميعهم
إن العبيد تلوذ بالمعبود
وقد يكون من الصعب الحديث عن ديوان شعر لشاعر بحجم ومكانة الدكتور عبدالله باشراحيل ، الذي وصفه الكاتب والشاعر والناقد الأدبي الدكتور هشام محفوظ ، ومقدم برنامج اللغة المعاصرة ، في مقال له بعنوان " الخطاب الشعري لعبد الله باشرحيل : بين الدلالة والجمال " بقوله : " إذا كان الشاعر و الروائي السوري هوشينك أوسي يرى أن “الكتابة حين تتحول من هواية إلى مهنة واحتراف، فعلى الكاتب المحترف احترام مهنته، ومنحها المزيد من العناية والجهد.
كذلك القراءة، إذا انتقلت من طور الهواية إلى مستوى المهنة والاحتراف، فعلى القارئ المحترف احترام مهنته وإتقانها عبر بذل المزيد من الجدية والاجتهاد.” ثم يتساءل: هل يمكن للقراءة أن تتحول إلى مهنة؟ نعم، وهذا منوط بالقارئ ومستويات التلقي لديه.
ويضيف الكاتب الروائي والشاعر هوشينك بقوله:”يعني؛ كاتب محترف + قارئ محترف = شراكة ثقافية وأدبية ناجحة”.
فتلك الشراكة نجدها في البستان الإبداعي لدى الشاعر الكبير الدكتور عبد الله باشراحيل الذي تضمن هذه العناوين الشعرية لأن خطابه الشعري متماسك دال تتجدد دلالاته في كل قراءة : معـذبتي ، الهوى قدري ، النبع الظامئ ، الخوف ، قناديل الريح ، سيد الصحراء(في مدح الملك المؤسس للشقيقة المملكة العربية السعودية) ،أقمار مكة ، أبجدية قلب ، قلائد الشمس ، بماذا تتنبأ يا صديقي؟ "
وهنا أتوقف لأقول يصعب علي الحديث عن قصائد الدكتور عبدالله باشراحيل ، لكنني أحاول أن اقرا مضمونها وأستخرج جمال بلاغتها .