النهار

٠٧ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ ديسمبر-٢٠٢٥       8910

بقلم - د. غالب محمد طه
قال الشيف العالمي ماسيمو بوتورا: "الطعام ليس مجرد تقديم للأطباق؛ إنه فن، إنه قصة، إنه ثقافة."

عبارة تختزل العلاقة العميقة التي تربط الإنسان بمطبخه وذاكرته.

فمنذ أقدم العصور، لم يكن  الطعام  مجرد حاجة جسدية تُشبع الجوع، بل كان مرآة تعكس الحضارات وتقاليد الشعوب وطرائق عيشها، وتتجسد من خلاله الحكايات التي تنتقل عبر الأجيال.
ومع تطور الإعلام الرقمي، أصبحت منصات مثل يوتيوب وإنستغرام وسائل رئيسية لرواية هذه الحكايات.

لم تعد فيديوهات الطهي مجرد وصفات عابرة، بل تحولت إلى محتوى يحمل دلالات اجتماعية وثقافية تُعيد إلى الذاكرة تفاصيل كانت على وشك الاندثار.

وكل طبق يظهر في هذه المقاطع يصبح امتدادًا للهوية وجسرًا يصل الماضي بالحاضر.
وعلى امتداد العالم العربي، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح. فالمطابخ العربية — برغم تنوعها الجغرافي والثقافي — تشترك في كونها خزائن للذاكرة وامتدادات لقصص الشعوب.

فالمطبخ الشامي يحمل بصمة قوافل التجارة القديمة، والمطبخ المصري يرتبط بإيقاع الحياة حول النيل، بينما تمتزج في مطابخ المغرب العربي التأثيرات الأمازيغية والعربية والمتوسطية في تناغم يروي تاريخًا طويلًا من التفاعل الثقافي.

ورغم اختلاف النكهات والمكوّنات، إلا أن ما يجمع هذه المطابخ هو حضورها في وجدان الشعوب بوصفها مسرحًا للعلاقات الاجتماعية، ووسيلة للتعبير عن الهوية، ومنصة تستعيد من خلالها المجتمعات ذاكرة قديمة بصور جديدة عبر الإعلام الرقمي.
وفي هذا السياق الإقليمي الأوسع، يبرز المطبخ السعودي بوصفه أحد أكثر المطابخ ثراءً وتعبيرًا عن الهوية.

فهو يجمع بين التوابل العطرية والأرز طويل الحبة واللحوم الطازجة، مما يمنحه طابعًا فريدًا بقي حاضرًا في المناسبات والأعياد وطقوس الحياة اليومية.

ومع انتشار المحتوى الرقمي، أعيد تقديم هذه الأطباق بروح عصرية تحافظ على أصالتها وتحتفي بجذورها.
ولا تُعد شهرة المطبخ السعودي نابعة من وصف أطباقه بقدر ما تعود إلى الرمزية التي تحملها تلك الأطباق.

فالكبسة، على سبيل المثال، ليست مجرد وجبة، بل مشهد اجتماعي كامل.

والمندي ليس مجرد طريقة طهي، بل طقس جماعي يحمل أثر المكان.

والمطبق والمرق والجريش وغيرها ليست مجرد نكهات، بل مفاتيح لقراءة تاريخ المناطق والعادات التي تشكلت حولها.

وهكذا يتجاوز  الطعام  حدوده المادية ليصبح لغة اجتماعية وثقافية تعكس قيم الكرم والضيافة والانتماء.
ومع توسع الفعاليات الكبرى في السعودية، مثل موسم جدة وإكسبو الرياض وكأس العالم 2034، لم يعد المطبخ مجرد عنصر جانبي، بل أصبح منصة لاستعادة التراث وتعزيز حضوره عالميًا.

تُعاد رواية قصص الأطباق التقليدية بأساليب مبتكرة تتيح للزوار اكتشاف "مذاق التاريخ" والتفاعل مع إرث ثقافي يتطور دون أن يفقد جذوره.
وفي النهاية، يبقى  الطعام  لغة عالمية تُبنى عبرها الجسور بين الثقافات.

وكل طبق عربي أو سعودي يُقدَّم اليوم أمام الكاميرا أو على المائدة يحمل رسالة عن الهوية والانتماء وجمال التنوع.

كما يبقى الحفاظ على أصالة هذا الإرث وسط زحام المحتوى الرقمي مسؤولية مشتركة بين الأفراد وصنّاع الثقافة، كي تبقى ذاكرة الشعوب حيّة، تُروى وتُعاد صياغتها باستمرار.