النهار

٠٦ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ ديسمبر-٢٠٢٥       11220

بقلم- حذامي محجوب

في اللحظات التي تتراجع فيها بعض الدول أمام تقلبات العالم وتحديات الأسواق، تختار المملكة العربية  السعودية  أن تتقدم. ليس بخطوات مترددة، بل بإيقاعٍ يعكس ثقة دولة تعرف ما تريد، وتعرف أكثر كيف تصل إليه. فميزانية عام 2026 لا تأتي كتقرير حسابات نهاية سنة، بل كوثيقة سياسية ـ اقتصادية تُعلن استمرار مشروع التحوّل السعودي بوصفه مشروع دولة لا يعود إلى الوراء في منطقة تتغير معادلاتها بسرعة وتُعاد صياغة موازين تأثيرها.
منذ سنوات، تبني المملكة منظومتها الاقتصادية على قاعدة جديدة: التخطيط بعيد المدى، والقرار الجريء، والانتقال من  اقتصاد  أحاديّ المصدر إلى  اقتصاد  متعدد يفتح آفاقًا لم تكن مطروقة من قبل، في وقت يتجه العالم نحو صراعات اقتصادية وتنافس على الموارد والتقنية. هذا التحوّل لم يعد شعارًا؛ بل أصبح واقعًا يلمسه المواطن في حياته اليومية، ويقرأه المستثمرون في أرقام النمو واتساع الفرص، ويلاحظه الفاعلون الإقليميون الذين يرون في صعود  السعودية  عامل استقرار مركزيًا في المنطقة.
خلال العقد الأخير، وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، شهدت المملكة عملية إعادة هندسة شاملة لبنية الاقتصاد: إصلاحات هيكلية، تحديث للتشريعات، فتح للأسواق، وتمكين للقطاع الخاص ليكون شريكًا صلبًا في التنمية. ومع قيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أصبحت هذه الإصلاحات أكثر عمقًا، وأكثر انتظامًا ضمن مسار واضح يضع الإنسان في صدارة الأولويات، ويعزز الدور الإقليمي للمملكة بوصفها قوة اقتصادية مؤثرة في عمق الشرق الأوسط.
وتكشف مؤشرات 2026 عن  اقتصاد  يشتد عوده: نمو حقيقي متوقع يناهز 4.6%، تضخم مستقر ضمن أدنى المستويات عالميًا، وقطاع غير نفطي يواصل التحول إلى المحرك الرئيسي للنمو. هذه ليست مجرد نتائج رقمية؛ إنها إشارات إلى أن المملكة استطاعت بناء نموذج اقتصادي قادر على امتصاص الصدمات ومواجهة حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد الدولي منذ سنوات، وهو ما يجعلها أكثر قدرة على لعب دور متوازن بين القوى العالمية المتنافسة.
وتأتي  ميزانية  2026 لتؤكد أن إدارة المالية العامة في المملكة تسير وفق فلسفة جديدة: مرونة في السياسات، ضبط للإنفاق دون المساس بمشاريع التحوّل الكبرى، وحوكمة للدين العام تضمن استدامة مالية لعقود قادمة. بهذا المعنى، تبدو الميزانية رسالة داخلية تطمئن المواطن بأن مسار الازدهار مستمر، ورسالة خارجية تعزز موقع  السعودية  كفاعل اقتصادي وجيوسياسي يملك مفاتيح تأثير واسعة في الأسواق الدولية وفي فضاءات الطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
كما يبرز دور الصناديق الوطنية، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة، الذي يتحول إلى ذراع استراتيجية تصنع قطاعات بكاملها، لا مجرد مشاريع متفرقة، وتحوّل المملكة إلى شريك رئيسي في مشاريع تضيف ثقلًا جيوسياسيًا إلى ثقلها الاقتصادي. يُضاف إليه صندوق التنمية الوطني وبقية الصناديق المتخصصة التي تمنح الاقتصاد السعودي طاقة دفع جديدة عبر تمويل المشاريع النوعية، ودعم ريادة الأعمال، وبناء منظومة أعمال تنافسية ضمن بيئة عالمية تتغير بسرعة.
ورغم أهمية كل ذلك، يبقى العنصر الحاسم في فلسفة التحوّل السعودي هو الاستثمار في الإنسان. فالمملكة تراهن على المعرفة باعتبارها ثروة العصر، وعلى الكفاءة باعتبارها مفتاح التنافسية، وعلى الإبداع باعتباره بوابة الاقتصاد الحديث. إنها رؤية تنتمي لجذور ثقافية ودينية تعتبر الإنسان غاية التنمية ووسيلتها، وتمنح المملكة قوة ناعمة تتكامل مع تأثيرها الجيوسياسي الصاعد.
لهذا كلّه، لا تبدو  ميزانية  2026 حدثًا ماليًا معزولًا، بل فصلًا إضافيًا من قصة سعودية أكبر: قصة دولة اختارت أن تخوض سباق المستقبل بثبات، وأن تجعل من كل مواطن حجرًا في بناء  اقتصاد  عالميّ الحضور، متنوعًا، مرنًا، وقادرًا على أن يكتب فصوله المقبلة بثقة أمم تعرف مكانها الطبيعي… في المقدمة.