الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ ديسمبر-٢٠٢٥       28985

بقلم ـ أحمد صالح الحلبي 

" يا قَمَراً أَصبَحَ لي مالِكا "، بهذه الكلمات بدأ المعتمد بن عبَّاد ، ثالث وآخر ملوك بني عبَّاد على إشبيلية، وأحد أبرز ملوك الطوائف في الأندلس ، مخاطبة اعتماد الرميكية جارية رميك بن حجاج التي نسبت إليه ، وتزوجها المعتمد بن عباد ، ورافقته حتى نفيه على يد المرابطين إلى أغمات ووفاته هناك ، وعرفت بمهارتها الشعرية ، وبراعتها في الفكاهة والنكت، وهي صاحبة جمال جذاب جعل المعتمد يعشقها من النظرة الأولى ، حينما كان " يتنزَّه مع شاعره ابن عمار في مرج الفضة - أحد متنزهات إشبيلية المطلة على نهر الوادي الكبير - قال له: «صَنَعَ الريحُ منِ الماءِ زَرَد» (يقصد أن يكمل رفيقه بيت الشعر)، إلا إنَّ بديهة ابن عمار كانت بطيئة، فسكت طويلاً ولم يكمله، وكانت بقربهما امرأة تغسل الملابس في النهر، فقالت: «أيُّ درعٍ لقتال لو جمد». 

وقد تعجَّب المعتمد من موهبتها بالشعر، وفتن بجمالها، فسأل عنها، فقيل له أنها جارية لرميك بن حجاج واسمها اعتماد، فذهب إلى صاحبها «رميك بن حجاج» واشتراها منه وتزوجها، وعُرِفَت بعد ذلك بلقب اعتماد الرميكية، وكانت أقرب زوجات المعتمد إليه. بل وقد كان لقب المعتمد بالأصل هو «المُؤَيَّد بالله»، لكن بعد زواجه من الرميكية غيَّر لقبه إلى المعتمد على الله تيمُّناً باسمها «اعتماد» " .

وهي من قال عنها المعتمد بن عباد : 

يا قَمَراً أَصبَحَ لي مالِكا

لا تَترُكَنّي هَكَذا هالِكا

وَفَلذَةَ الكبدِ الَّتي ضَمَّها

مَبيتُها الدهرَ بأوحالكا

رَقَّ عَلى قَلبِ العَميدِ الَّذي

يَوَدُّ أَن يَجري عَلى بالكِا

حسنت في خَلق وَخُلقٍ فَلِم

رَضيتَ بِالقُبحِ لِأَفعالِكا

وفي قصة " يوم الطين " تظهر محبة المعتمد لها ، واستجابته لرغبتها ، وتروي القصة أن " اعتماد الرميكية شاهدت جواري يلعبن في الطين واشتهت اللعب مثلهن ، فاستجاب المعتمد لرغبتها بملء فناء القصر بالمسك والعنبر والمسك، مخلوطاً بماء الورد، لتلعب زوجته وجواريها فيه " .  

ولم تكن قصة يوم الطين هي الوحيدة التي حرص المعتمد على تلبية رغبات اعتماد ، فذات يوم رأت " وهي في قرطبة الثلج يهطل شتاءً، وكان ذلك نادر الحدوث في جنوب الأندلس، فبكت بشدة، وجاء المعتمد وسألها عن سبب بكائها، فقالت: «إنك طاغية جبار غشوم، انظر إلى جمال ندف الثلوج البارقة اللينة العالقة بغصون الأشجار، وأنت أيُّها الناكر للجميل لا يخطر ببالك أن تُوفِّر لي مثل هذا المنظر الجميل كل شتاءٍ ولا تصحبُني إلى بلدٍ يتساقط فيه الثلج كل شتاء»، فقال لها المعتمد: «لا تحزني ولا تستسلمي لليأس يا سلوة النفس ومنية القلب، فإنِّي أعِدُكِ وعداً صادقاً أنك سترين هذا المنظر الذي أدخل على قلبك السرور كل شتاء»، ثم أمر بزرع أشجار اللوز على جبل قرطبة، لتظهر عند طلوع أزهارها كأنها مُغطَّاة بالثلوج ".

 

وحينما اختلفت معه وقفت غاضبة وقالت: " والله ما رأيتُ منك خيراً قط" ، فتعجب المعتمد ورد قائلا : "ولا يوم الطين؟ " ، فخجلت وسكتت استحياء منه .  

وترجم الشاعر احمد علي سليمان عبد الرحيم ، خلافها هذا في قصيدة حملت عنوان " يوم الطين؟ (اعتماد زوج المعتمد) " قال فيها : 

وتناستِ المعروفَ ، ما اعترفتْ به

حتى تلاشى في الخلاف ، وضاعا

ودليلنا شكوى (اعتمادٍ) زوجَها

تلك التي ملأت بها الأصقاعا

كم (لا بن عبّادٍ) عليها من يدٍ

خط الرّواة بسَردِها الإجماعا

بذل الكثيرَ لكي تعيشَ عزيزة

بين النساء ، وطبّب الأوجاعا

وكم اشترى قبطية وعباءة

وأساوراً تضوي ، وساقَ مَتاعا

وكم ابتنى قصراً منيفاً سامقاً

يستلفتُ الأنظارَ والأسماعا

وكم استجاب لزوجةٍ فيما ترى

وكم استكان لغيّها ، وانصاعا

ولكم أطاع مُلبياً ما تشتهي

مستأجراً لمُرادها الصُناعا

حتى إذا وجدته ليس يُطيعُها

فاستهجنتْ بين النساء طِباعا

نكرتْ جميلاً طالما جادت به

كفٌ عطاها في الممالك ذاعا

ومضتْ تشوّه سمعة وتكرّماً

وسِبابُها وسط العقائل شاعا

وحينما " سقطت إشبيلية عاصمة بني عبَّاد في أيدي المرابطين، واقتيدت الرميكية مع زوجها المعتمد أسرى إلى المغرب، حيث أقاموا أولاً لمدة وجيزة في طنجة، ثم مكناسة، وأخيراً استقروا في أغمات. ورافقته الرميكية طوال ما تبقَّى من حياته. ويُروَى من نكاتها أثناء إقامتهما في أغمات قولها مرَّة: «لقد هُنَّا هنا»، وقالت له مرة عندما مرض: «يا سيّدي ما لنا قدرةٌ على مرضاتك في مرضاتك». توفيت الرميكية قبل زوجها المعتمد بقليل، وقد دُفِنَت بجانب زوجها في ضريحهما بمدينة أغمات ".