بقلم ـ علي بن عيضه المالكي
تمر المملكة العربية السعودية بمرحلة اقتصادية مفصلية، تُعيد فيها تشكيل نموذجها التنموي، وتنتقل من الاعتماد على الموارد الريعية إلى بناء اقتصاد متنوع يقوم على الإنتاجية والابتكار. وهذا التحوّل ليس مشروعًا اقتصاديًا عابرًا، وإنما رؤية متكاملة تعكس طموح دولة تسعى إلى مستقبل مزدهر ومستدام، تُصنع فيه القيمة داخل حدودها، وتُدار فيه التنمية بكفاءات وطنية قادرة على المنافسة والإبداع.
لقد أدركت القيادة السياسية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية أن الاعتماد على مورد واحد لا يكفي لخلق اقتصاد قادر على مواجهة التحولات، وأن بناء اقتصاد حقيقي يبدأ من تنويع مصادر الدخل وتعزيز الصناعات المحلية وتطوير القطاعات الجديدة. فالتحوّل من الريع إلى الإنتاج هو انتقال من انتظار العائد إلى صناعته، ومن الاتكال على الخارج إلى بناء نموذج اقتصادي يستند إلى المعرفة ورأس المال البشري والابتكار.
إن إعادة بناء الاقتصاد السعودي تؤكد أن الثروة الحقيقية لا تقتصر فحسب في الموارد المتاحة، وإنما في كيفية تحويل هذه الموارد إلى منتجات وتقنيات وفرص عمل وصناعات متقدمة.
في الوقت ذاته تسعى المملكة من خلال البرامج الوطنية ومن أبرزها برامج تحقيق الرؤية إلى رفع مستوى الإنتاجية في مختلف القطاعات، من الصناعة والطاقة مرورًا بالزراعة والتقنية، ووصولاً إلى الخدمات المساندة والسياحية. فالإنتاجية تعكس جودة التعليم، وكفاءة بيئة الأعمال، ومستوى الهندسة التقنية المستخدمة، وقدرة المؤسسات على التطوير المستمر.
وتعزيز الإنتاجية يُعد منظورًا اقتصاديًا يؤمن بالكفاءة، والإنجاز، والإتقان، والاستفادة من الابتكار لتحسين الأداء وتقليل الهدر ورفع القيمة المضافة للاقتصاد السعودي.
كما أن الابتكارية لم تعد خيارًا إضافيًا، إذ أصبحت ضرورة وطنية لبناء اقتصاد متنوّع وقادر على المنافسة. ولذلك تتجه السعودية نحو دعم التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال، لتصبح منتجًا للتقنية لا مجرد مستهلك لها.
وحين تُدمج الابتكارية في التعليم، وفي السياسات الاقتصادية، وفي الشركات الناشئة والكبرى، فإنها تتحول إلى حركة وطنية تُولّد قطاعات جديدة، وتفتح آفاقًا واسعة أمام الشباب السعودي، وتدفع الاقتصاد نحو مستويات أعلى من القوة.
في المقابل هناك جهود قوية إلى تحويل ذهنية المواطن السعودية إلى فكر استثماري قائم على الابتكارية للفرص الاقتصادية وتحويلها إلى مشاريع إنتاجية
إذن نحن أمام مرحلة مهمة في طريقة إعادة بناء الاقتصاد الوطتي وأنها ليست عملية مالية فحسب؛ إنها تغيير في الذهنية والممارسات اليومية. فالمجتمع المنتج هو من يؤمن بقيمة العمل، ويرعى المبادرات، ويدعم المواهب، ويرى في الإبداع جزءًا أساسيًا من الهوية الوطنية. وهو مجتمع يتحول تدريجيًا من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة البناء، ومن الاتكال على الدولة إلى المشاركة الفاعلة في تشكيل اقتصادها، ومتى ترسخت هذه العقلية، تصبح السياسات الاقتصادية واقعًا ينساب في تفاصيل الحياة اليومية وتنعكس نتائجه على المواطن.
إن التوجه السعودي نحو بناء تنمية دائمة قائمة على الإنتاجية والابتكار هو الطريق لجعل الاقتصاد أكثر قوة واستقرارًا، وأكثر قدرة على مواجهة التقلبات، وأكثر جاهزية لصناعة مستقبل مزدهر للأجيال القادمة. فالمملكة اليوم تعيد صياغة نموذجها الاقتصادي برؤية واضحة تعتبر الإنسان والابتكار والإنتاجية أساسًا لنهضتها الجديدة.
وبهذا المسار، تشكّل السعودية اقتصادًا يصنع فرصه، ويبتكر مساراته، ويؤسس لمستقبل يليق بطموحها.