الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٩ نوفمبر-٢٠٢٥       14300

بقلم ـ د. خالد بن يحيى القحطاني

مؤخرًا، أصبحت مقاطع  المقاتلة F-35  – في إقلاعها وتقنياتها وأدوارها وسعرها والدول التي تملكها – من أكثر المواد تداولًا وإعجابًا في وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن هذا كله أغفل سؤالًا (جوهريًا) أكثر أهمية و هو:كيف تم الوصول إلى هذه التقنية الاستثنائية؟ وما الذي يقف خلف ذلك؟

بالنظر إلى ما وراء هذه المقاتلة يظهر لنا (مركز الابتكار Skunk Works ) في شركة لوكهيد مارتن بوصفه (عرّاب F-35) و الذي أسهم أيضًا في تطوير تقنيات طائرات أخرى مثل U-2 وSR-71 وF-117، وفي بلورة كثير من أفكار الجيل الخامس من المقاتلات.

*السؤال المهم الآن هو:* كيف يمكن لمركز ابتكار محدود الحجم داخل شركة ضخمة مثقلة بالأنظمة والقيود أن ينتج هذا القدر من التفوّق التقني، وأن يدير عملية ابتكار معقّدة تنتهي (بابتكارات خارقة) قادرة على التأثير في موازين القوى العسكرية والاقتصادية في العالم؟ ماهي الثقافة والبيئة التي تقف خلف ذلك ؟ 

الابتكار في مركز Skunk Works يبدأ من البيئة الحاضنة والمحفزة التي تقوم على ثقافة (التجريب والتعلّم) قبل الانشغال بتفاصيل الإجراءات والعمليات، بيئة يُنظَر فيها إلى (الفشل والتعثّر) بوصفهما جزءًا طبيعيًا من الطريق و(فرصة للتعلّم) لا سببًا للإحباط. وبتفصيلٍ أكثر يمكن تحليل فلسفة الابتكار في Skunk Works في عددٍ من الممارسات ويمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: الاعتماد على فرق صغيرة تعمل كوحدات مركزة للابتكار، بعيدًا عن ازدحام الأعمال اليومية وتمنح تفويضًا واضحًا ومساحة حقيقية للتجريب.

ثانياً: لكل مشروع ابتكاري (قائدًا ) مسؤولاً عن توجيه المشروع نحو ( النتائج ) يحقق التوازن بين الجرأة في الفكرة والانضباط في التنفيذ ويُعطى صلاحيات واضحة في اتخاذ القرار و خط اتصال مباشر مع القيادة العليا -و هذا الاختصار في سُلَّم القرار- ينعكس مباشرة على سرعة التطوير وتجاوب المشروع مع المتغيّرات.

ثالثًا: وجود منطقة تجريب ( منطقة عزل آمنة ) بقواعد أكثر مرونة من القواعد السائدة في المنظمة، في هذه المنطقة تُبسَّط الإجراءات، ويُخفَّف العبء الورقي، وتُقصَّر سلسلة الاعتمادات، مع بقاء معايير واضحة لتقييم النتائج من حيث الجدوى والتكلفة والقيمة المضافة ، الفكرة ليست إلغاء الانضباط بل الابتعاد عن الحذر المبالغ فيه.

رابعًا: يمنح Skunk Works أولوية (للنماذج الأولية) حيث يُطوَّر نموذج مبكر ثم يختبر، ثم يعيد ضبطه وفقاً للتغذية الراجعة وهكذا أكثر من مرة ( اختصار الوقت بين الفكرة والواقع).

خامسًا: التواصل المستمر بين (المختبر) و(الميدان) – في هذه الحالة الطيارون والفرق العملياتية – ليسوا مجرد متلقين، بل مصدر رئيسي للملاحظات التي تعود إلى فريق الابتكار، هذه التغذية الراجعة تتحول إلى تعديلات في التصميم والبرمجة وطرق التشغيل، فتظل المنظومة في حالة تطوير مستمر بدل أن تتجمّد عند الإصدار الأول.

سادساً: في مشاريع Skunk Works يُنظر إلى (الفشل) كجزء من تكلفة التعلّم، لا كسبب (لإغلاق الباب) تُمنح الفرق قدرًا من (الحماية) يسمح لها بالتجريب الجاد دون خوف (مبالغ فيه) من العواقب، مقابل التزام واضح بتحويل كل تجربة – ناجحة أو فاشلة – إلى معرفة قابلة للاستخدام في الخطوة القادمة، بهذه الطريقة يتحوّل منحنى التطوير إلى سلسلة من المحاولات الايجابية وليس مجرّد (رهانٍ واحد)إما أن ينجح أو ينهار.

 ولنستفيد من هذا النموذج وحتى يتحول من قصة ملهمة إلى ممارسة نستطيع تطبيقها، لا بد من ترجمته إلى أطر عمل واضحة داخل المؤسسة: ثقافة مؤسسية تتبنى مبدأ ( عدم اليقين) أي إيمانها بضرورة أن تعيد النظر في القيمة التي تقدّمها، سياسة خاصة بالمشاريع التجريبية، وإطار حوكمة يُعرّف من يملك قرار البدء والإيقاف والتوسّع، ودليل عمل يرسم دورة حياة الابتكار من مرحلة الفكرة حتى التوسّع أو الإلغاء. عند هذه النقطة يصبح (مختبر الابتكار) جزءًا فعّالًا من منظومة اتخاذ القرار (وصندوق عزلٍ آمن ) للتعامل مع الافكار الجريئة.

عند مشاهدة مقطع جديد لـ F-35، قد يتوقف كثيرون عند ما يظهر في الصورة: طائرة متقدمة تحمل تقنية معقّدة، لكن خلف هذا المشهد قصة أخرى لا تظهر للعين: فراغ عمل محدود المساحة، فريق صغير متفرّغ، نظام قرار مبسّط، وسلسلة من التجارب التي لم تنجح كلها من المحاولة الأولى. هذا الجزء غير المرئي هو (جوهر ثقافة الابتكار).

ومضة أخيرة

يقول ستيف جوبز، مؤسس آبل ورئيسها التنفيذي (الابتكار هو ما يميز القائد عن التابع) وهذا الابتكار بالذات هو ما وضع لوكهيد مارتن في موقع (الريادة) في صناعة المقاتلات عالميًا.