النهار

٢٤ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ نوفمبر-٢٠٢٥       5225

بقلم - موضي العمراني 

في أعماق كل إنسان مساحة غامضة لا تُقاس بما يملكه من صفات ظاهرية أو ما يقدّمه للآخرين من إنطباعات، بل تتشكل من شيء أعمق بكثير: التجارب. فالحقيقة التي قد تبدو صادمة أن معظم ما نظنه “ذاتًا ثابتة” ليس إلا انعكاسًا لما مررنا به من مواقف، تفاصيل، آلام، وأفراح صنعتنا دون أن نشعر. نحن في جوهرنا نتغير بقدر ما نتعرض له، ونتشكّل من كل حدث يمر علينا كأنه نقش جديد على جدار شخصيتنا.

عندما نقول “نحن لسنا حقيقيين، نحن انعكاس لتجاربنا”، فنحن لا ننفي وجودنا، بل نعيد تعريفه. فالحقيقة ليست قالبًا جامدًا؛ إنها تفاعل مستمر بين ما عشناه وما نتوقع أن نعيشه. الشخص الجريء قد يكون مجرد طفلٍ خائفٍ تعلم كيف يخفي خوفه، والشخص الهادئ ربما هو روح تكوَّنت بعد فوضى داخلية طويلة. نحن نسخٌ متطورة من أنفسنا القديمة، نتغير كلما طرق العالم بابنا.

تترك التجارب بصماتها بطرق مختلفة؛ بعضها يعلّمنا، بعضها يوجعنا، وبعضها يبنينا دون ضجيج. نكتسب حِكمًا من خيباتنا، ونتعلم حدودنا من أخطائنا، ونصنع قوتنا من لحظات الضعف التي كدنا ننهار فيها. ولذلك لا يمكن لأحد أن يفهمنا حقًا إلا إذا عرف قصصنا، فالقصة هي التي تمنح الشخصية معناها.

لكن هذا “الانعكاس” لا يعني أننا عاجزون عن التغيير، بل على العكس؛ إدراك أن شخصيتنا نتاج تجاربنا يمنحنا القدرة على إعادة تشكيلها. يمكن للإنسان أن يصبح نسخة أفضل، أن يكتب تجربته المقبلة بوعي، وأن يصنع واقعًا جديدًا يتجاوز فيه ما تركته الأيام القديمة من ندوبٍ أو قيود.

في النهاية، نحن صفحات ممتدة تُكتب باستمرار. لسنا الصورة الأولى، ولا الأخيرة، ولسنا النسخة النهائية من أنفسنا. نحن انعكاس لما مضى، ومحاولة واعية لما سيأتي. وهذه الثنائية هي ما تمنح وجودنا جماله، وعمق تجربتنا الإنسانية معناها الحقيقي .