النهار
بقلم - أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
المغالطات ليست مجرد أخطاء لفظية أو التواءات في التعبير، بل هي انعكاس صريح لحالة العقل والنفس، وانحراف عن مسار البرهان والدليل، فهي تكشف عن خلل في التفكير، أو ميلًا إلى الهوى، أو ضعفًا في القدرة على بناء القول السديد. وقد أمر الله تعالى الإنسان بالبرهان واليقين فقال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وأمر بعدم اتباع الظنون فقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فالكلام بلا دليل يؤدي إلى المغالطة مهما زُيّن باللفظ أو البيان، وهو ضد العقل والمنطق.
تظهر المغالطات من داخل الإنسان نفسه، ومن المجتمعات الخارجية، ولكل منها خصائصه وأثره. فالمغالطات الذاتية تنشأ من العقل والفكر الفردي، وتتمثل في الأخطاء الناتجة عن الالتباس في الألفاظ أو الغموض في المعاني أو الاشتراك اللفظي، حيث يوهم السامع أن القول محكم بينما هو قائم على خلط بين المعاني. مثال ذلك أن يقول شخص: “العدل ضروري في الحكم، والظلم معيب، إذن كل من خالفني ظالم”، فهنا اشتراك لفظي وخلط بين معنى العدل العام والخاص، وهو مغالطة لفظية تكشف ضعف القدرة على التفريق بين المعاني.
كما تشمل الأخطاء في ربط النتائج بالمقدمات، مثل التعميم المتسرع الذي يصدر فيه الحكم على واقع واسع بناءً على حالات قليلة، كما عندما يحكم أحدهم بأن “جميع النساء اليوم فاسدات”، لمجرد رؤية حالات محدودة، وهو يعكس خللًا فلسفيًا في الاستقراء، بينما المعرفة الصحيحة تتطلب التثبت والاستقصاء الواسع، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى حين قال: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، فالظن يشمل الاستنتاجات الناقصة التي لم تبلغ حد البرهان.
وتبرز المغالطات العقلية التي تربط بين حدثين بلا علاقة سببية حقيقية، مثل مغالطة السبب الزائف، فالإنسان يظن أن التتابع الزمني أو الترابط الظاهري كافٍ لإثبات العلة، بينما العقل السليم لا يقبل إلا بالدليل على العلاقة السببية، كما بين القرآن قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. والمغالطات التخييلية تعتمد على العاطفة بدل العقل والبرهان، مثل الاستعطاف أو التهديد، وقد حذر الشرع من هذا المنهج فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، فالحجة الصحيحة لا تحتاج إلى تهويل أو تأثير نفسي على السامع. وهناك المغالطات الإدراكية والحسية التي تتسلل إلى العقل دون وعي، مثل الانحياز التأكيدي، حيث يميل الإنسان بطبعه إلى تصديق ما يؤيد آراءه ويرفض ما يناقضها، وقد أشار القرآن إلى هذا الحجب للحق: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
أما المغالطات الخارجية فهي تأتي من البيئة والخطاب بعمومه ، وتؤثر على وعي الإنسان ورأيه. فالخطاب قد يعمد إلى اختيار الوقائع والبيانات التي تخدم هدفًا محددًا، متجاهلًا ما يخالفه، فينشأ لدى الجمهور تصور مشوه للواقع، مثل أن تروج وسائط اجتماعية لنجاح برنامج معين مع تجاهل كل النتائج السلبية، فيصير الرأي منحازًا دون دراية حقيقية، وهذا يشكل مغالطة دنيوية تؤثر في القرارات الاجتماعية. وتشمل المغالطات الدينية التي تنشأ من تفسير النصوص خارج سياقها أو الاستدلال بما لا يدل عليه، وهو الأخطر لأنها تؤدي إلى فساد الفهم وبناء أحكام خاطئة، وقد أنكر الله هذا المنهج: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾، والفهم الصحيح يتطلب جمع النصوص وبيان المحكم من المتشابه ومعرفة أسباب النزول ومراعاة مقاصد الشريعة.
إن آثار المغالطات، سواء الذاتية أو الخارجية، تمتد إلى الفرد والمجتمع، فتضعف القدرة على التمييز وتشوه الرأي الجمعي ، وقد تكفي مغالطة واحدة لتغيير مسار قضية كاملة، لأن الخطأ في المقدمة يؤدي إلى خطأ في النتيجة. ومثال على ذلك الانحياز التأكيدي في القضايا الدينية أو الاجتماعية ، حيث تصير الجماعة مؤيدة لموقف ما فقط بسبب تأثير خطاب مغالط، فيتغير مسار القرار أو الحكم الجماعي دون معرفة حقيقية. كذلك كما أن المغالطات الإعلانية تشكل رؤية مغلوطة في السوق أو الواقع ، فيتخذ الفرد قرارات خاطئة تؤثر في حياته ومجتمعه.
وعلاج هذه المغالطات يقوم على بناء عقل نقدي متحري للبرهان والدليل، قادر على التثبت والتحليل وفك الحجة إلى مقدماتها، وموازنة القول بالمنطق والعقل والنقل. ووعي الإنسان بالمغالطات وتمييز أنواعها يجعله متحررًا من الأسر النفسي والخداع اللفظي، وقادرًا على بناء رؤية ناضجة مستندة إلى البرهان والدليل، تفهم الواقع كما هو، وتحمي المجتمع من التضليل، وتحقق الاستقامة في الفكر والفهم، وتضمن سلامة الوعي من كل شبهة أو تزييف، كما أمر الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وهكذا يصبح إدراك المغالطات ومعرفة أنواعها أثرًا عمليًا في حياة الإنسان، ليس مجرد نظرية، بل سلاحًا لحماية العقل والفكر والوعي الجمعي، ليبني مجتمعًا قادرًا على التمييز بين الحق والباطل، بين البرهان والظن، وبين القول المبني على الدليل والقول المبني على الهوى، فيسود الفكر السليم على كل خطاب مضلل، ويصير الإنسان حرًا في تحكيم الشرع والعقل ، مستقيم الفكر، راشد الفهم، وواعي بمصادر المعرفة.