النهار

٢٠ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٠ نوفمبر-٢٠٢٥       12815

بقلم - حذامي  محجوب 
لم تكن زيارة ولي العهد إلى واشنطن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت لحظة كاشفة لطريقة جديدة في ممارسة الدبلوماسية. كنت أتابع تفاصيل المشهد وأشعر أنني أمام قائد يدخل الساحة الدولية بثقة هادئة، لا يستعرض، ولا يعلو صوته، لكنه يفرض إيقاعه على النقاش وعلى الصورة وعلى المتلقي. كان الحضور وحده رسالة: السعودية لا تأتي لتبرير شيء ولا للدفاع عن نفسها، بل لتضع تصورها، وتعيد ترتيب أولويات الحوار بما يناسب رؤيتها هي.

ما أثار انتباهي منذ البداية لم يكن الكلام، بل كل ما سبق الكلام. طريقة الجلوس، الاتصال البصري، ثبات النبرة، الحركة المدروسة، كلها صنعت انطباعاً واضحاً بأن ضيف البيت الأبيض  لا يواجه امتحاناً، بل هو الذي يختبر محاوريه. وفي مقابل توتر بدا على الإدارة الأمريكية التي تُلقَّن الإجابات أمام الكاميرا، ظهر ولي العهد بلا أوراق، بلا تردد، بلا ارتباك. هذا النوع من الهدوء ليس عفوياً، إنه نوع من القوة التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تُقرأ.

ما لفتني أكثر هو أنه لم يسمح للآخر بأن يجرّه إلى أجندته. الأسئلة التي حاولت استدراج ردود فعل انفعالية أو إثارة حساسيات مرّت أمامه دون أن يأخذها في الاتجاه الذي أراده السائل. بدلاً من ذلك، أعاد توجيه الإطار كله: من نقاش حول “الحدث” إلى نقاش حول “الفكرة”. فجأة، لم يعد الموضوع اتهامات أو مواقف لحظية، بل جذور التطرّف، وكيف يتحول الفكر المنحرف إلى بيئة تنتج الإرهاب. هذا التحويل في زاوية النظر هو جوهر الدبلوماسية الحديثة: أن تجعل الآخر يعيد التفكير في جوهر القضية، لا أن تبقى أسيراً لسؤال طارئ أو خطاب انفعالي.

والصورة نفسها كانت جزءاً من الرسالة. الظهور الهادئ والواثق، المشهد في البيت الأبيض، الحضور أمام الإعلام الأمريكي، كلها عناصر اشتغلت معاً لتقول إن السعودية تدخل المعادلة كشريك كامل، لا كطرف يبحث عن مباركة أو دعم. كانت هناك محاولة واضحة للانتقال من التعاون الأمني الضيق إلى تعاون فكري وثقافي وسياسي أوسع، من مكافحة الإرهاب كملف عسكري إلى مواجهته كمشكلة قيمية تتطلب تفكيك جذورها لا فقط ملاحقة نتائجها.

كنت أرى أمامي دبلوماسية تريد أن تقلب علاقة مألوفة: علاقة بين دولة عظمى ودولة تنتظر ما يُملى عليها، إلى علاقة ندّية تقوم على المصالح والمشاريع المشتركة. لا مبالغة هنا، بل قراءة واقعية لمشهد يختبر فيه الشرق نفسه داخل أروقة القرار في الغرب، بثقة أكبر ونبرة مختلفة عن الماضي. ولعل ما جعل هذا المشهد أكثر قوة هو غياب أي قلق ظاهر، غياب محاولة الاسترضاء، غياب الحاجة لطمأنة الآخر. كانت الرسالة الضمنية: نحن هنا لأن لنا ما نقوله، ولأن لدينا ما نقدمه، ولأن الشراكة ليست منّة من أحد.

أكتب هذا من منطلق متابعتي للشأن السياسي العربي، ووعيي بما عانته منطقتنا في الخطاب العالمي. فقد اعتدنا أن نرى الشرق الأوسط في موقع الدفاع، في موقع المتهم، في موقع من يُسأل ولا يسأل، من يُحاسَب ولا يحاسب. وفي تلك اللحظة في واشنطن، شعرت أن هناك محاولة واضحة للخروج من هذا الإطار الضيق، للتصرف بثقة مختلفة، ولعرض رؤية متماسكة حول المستقبل بدلاً من الرد على الماضي.

هذه الزيارة بالنسبة لي كانت اختباراً لنموذج جديد من الدبلوماسية: الدبلوماسية السعودية تعتمد على الحضور قبل الخطاب، وعلى الفكرة قبل الرد، وعلى الشراكة قبل العتب، وعلى تصميم طويل النفس لا على مواقف انفعالية. قد تختلف المواقف حول السياسة، وقد تتباين التقييمات لأي خطوة دولية، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أننا أمام ممارسة واعية لأسلوب جديد في التعامل مع العالم. أسلوب لا يطلب الاعتراف، بل يصنعه.

فشكراً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي رفع رؤوس المسلمين جميعاً بسياساته وجعل ديبلوماسية المملكة تعانق طموحنا العربي والإسلامي،انه يؤكد لنا في كل يوم ان الحلم العربي ممكن. لقد منحني شخصياً شعوراً بالاعتزاز والفخر والانتماء، وحوّل هذا الحلم إلى صوت جماعي يعلو معنا جميعاً، صوت يذكرنا بأن طموحنا ليس بعيداً وأن مستقبلنا يمكن أن يُصاغ بعزم وإرادة واضحة.