النهار

١٩ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ نوفمبر-٢٠٢٥       9955

بقلم - حذامي محجوب 

تأتي بعض اللحظات في التاريخ فتختصر مسار التحولات الكبرى في مشهد واحد. والصورة التي يظهر فيها الرئيس الأمريكي وهو يستقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ،هي واحدة من تلك اللحظات التي تتجاوز البروتوكول لتصبح نصاً دبلوماسياً كاملاً. ليس المهم تفاصيل الحركة أو زاوية الالتقاط، بل ما تحمله هذه البوابة المفتوحة من رمزية، وما ترسمه السجادة الحمراء من امتدادٍ سياسي يربط بين قوتين اختار كل منهما إعادة صياغة العلاقة وفق منطق جديد. واشنطن التي اعتادت أن تكون نقطة الانطلاق في أي تحالف دولي، تبدو في هذه الصورة وكأنها توسّع باب البيت الأبيض لتستقبل الشرق بوعي مختلف، شرق يتقدم هذه المرة من موقع القوة لا من موقع البحث عن مظلة، وشرق يحمل معه مشروعاً اقتصادياً وسياسياً يفرض احترامه بإنجازاته لا بخطابه.

في هذه اللقطة بالذات يمكن قراءة لحظة تحول في ميزان العلاقات الدولية، إذ لم يعد الطرف العربي يدخل الولايات المتحدة من زاوية ضيقة أو عبر بروتوكول يفرض عليه الانصات فقط، بل من بوابة القرار نفسها، وباستقبال رسمي يعكس مكانة اللاعب الذي أثبت أن بلده شريك لا يمكن تجاوزه في ملفات الطاقة والأمن وتعقيدات الشرق الأوسط. إن الطريقة التي يقف بها القائدان في الصورة ليست مجرد حركة جسد، بل إعلان عن مرحلة جديدة قوامها الندية والاحترام المتبادل، مرحلة تدرك فيها واشنطن أن سياستها في المنطقة لم يعد ممكناً أن تُصاغ بمعزل عن موقف الرياض، وأن النتائج على الأرض أثبتت أن السعودية تمتلك من التأثير السياسي والاقتصادي ما يجعلها ضرورة داخل أي معادلة استراتيجية.

السعودية من جهتها لم تعد تتعامل مع التحالفات بمنطق الإرث، بل بمنطق المصلحة، وهو ما يمنح الصورة معنى أعمق: دخول واثق إلى قلب القرار الأمريكي دون تردد، وبخطاب جديد يحدد أولوياته بوضوح، ويعيد رسم حدود الدور السعودي في العالم. فالمملكة اليوم ليست دولة تبحث عن اعتراف، بل دولة تصنع واقعاً وتفرض حضوراً، ولذلك يبدو استقبال كهذا أقرب إلى تبادل إشارات سياسية منه إلى مشهد بروتوكولي. هذه هي الدبلوماسية الحديثة: لغة تقولها الصورة قبل الكلمات، وتوازنات تتشكل بصمت داخل لحظة تبدو بسيطة لكنها تحمل في طياتها رسائل أبعد من المشهد ذاته.

الصورة إذاً ليست توثيقاً لزيارة، بل إعلان عن علاقة تتجدد على أسس أقوى، وعن شرق يتقدم إلى الساحة العالمية ليضع بصمته بثقة. وما بين السجادة الحمراء والباب المفتوح تتشكل معادلة جديدة: قوة عربية تصعد، وقوة أمريكية تعيد التموضع أمام واقع دولي يتحول. إنها لحظة تقول الكثير دون حاجة إلى بيان، وتمنح المراقب فرصة لقراءة العالم من زاوية بوابة واحدة تُفتح لكنها تختصر تاريخاً ومستقبلاً معاً.