النهار
بقلم - تركي عبدالرحمن مبارك البلادي
مع اقتراب الشتاء، لا يتغيّر الطقس فقط، بل يتغيّر الناس أيضًا. فالمواسم ليست مجرد درجات حرارة ترتفع وتنخفض؛ هي تحوّلات نفسية وفكرية وروحية تطرق أبوابنا بصمت. وفي عالم يميل إلى الضجيج والركض، يأتي الشتاء كضيف عاقل يفرض إيقاعه الخاص، ويجبر الجميع على التمهّل قليلًا أمام مرآة الحياة.
الشتاء القادم هذا العام يختلف عن كل ما مضى. ليس لأن البرد أشد، أو لأن الرياح أكثر حدة، بل لأن الإنسان بات يدخل الشتاء محمّلًا بخبرات عام كامل، وانتصارات صغيرة، وخيبات لم يُفلح الصيف في تبديدها. ولذلك، يبدو الشتاء دائمًا كحساب مؤجل للعواطف والأفكار.
فالناس في الشتاء يعودون إلى داخلهم، إلى تلك الأرفف القديمة في الذاكرة التي لم يصلها ضوء الشمس طويلًا. وفي اللحظات التي يهدأ فيها العالم تحت المطر، تتسلّل الذكريات، وتتعاظم الأسئلة، ويبدأ العقل في إعادة فرز ما يستحق البقاء وما يجب تركه خلفنا.
حتى المدن تتغيّر في الشتاء. الشوارع التي كانت تضج بحركة الحياة تصبح أكثر هدوءًا، وكأنها تترك للهواء البارد فرصة للحديث. والمقاهي التي كانت مجرد أماكن عابرة تتحوّل إلى محطات دافئة، يلجأ إليها الناس بحثًا عن لحظة صفاء، أو هروبًا من الهواء، أو بحثًا عن كلمة صادقة لا يتكلف صاحبها العاطفة.
والشتاء ليس موسمًا للبرودة فقط، بل موسم للحكمة أيضًا. فهو يذكّرنا بأن الطبيعة — رغم قسوتها أحيانًا — تعرف متى تهدأ ومتى تنطلق. وأن الحياة ليست صيفًا دائمًا، ولا دفئًا متصلًا، وأن التحوّل جزء أصيل من دورتها. ومن أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يقاوم التحوّل بدل أن يتعلّم منه.
ولعل أجمل ما في الشتاء أنه يعيد ترتيب العلاقات. ففي هذا الفصل، تظهر قيمة القرب الحقيقي، وتنكشف المسافات بين الناس بصراحة أكبر. البعض يقترب بدفء لا يمكن تجاهله، والبعض يبتعد دون ضجيج، وكأن البرد يفرز العلاقات كما تفرز الرياح أوراق الشجر. وهذا الفرز طبيعي وضروري، لأن الإنسان لا يمكن أن يحمل الجميع معه إلى كل الفصول.
الشتاء القادم يحمل معه أيضًا فرصًا جديدة. فبينما ينشغل البعض بالتذمّر من البرد، يرى آخرون أن هذا الوقت هو الأنسب للبداية: بداية مشروع، فكرة، قراءة، أو مصالحة مع الذات. فالشتاء يمنح الوقت للتخطيط، ولصناعة القرارات الهادئة، تلك التي لا تُتخذ تحت حرارة الاندفاع، بل تحت دفء التفكير العميق.
وإذا كان لكل فصل رسالة، فإن رسالة الشتاء واضحة:
ليست القسوة ما يخيف، بل الجمود. وليس البرد ما يؤلم، بل البقاء في مكان لا يدفئ الروح.
الشتاء لا يختبر قدرتك على الاحتمال فقط، بل يختبر قدرتك على التغيير، وعلى حماية ما تحب، وعلى اكتشاف ما تبقّى منك بعد سنة كاملة من الركض.
الخاتمة
الشتاء قادم، ومعه تأتي مرحلة جديدة من قراءة الذات. فالفصول ليست مجرد تقويم زمني، بل محطات نضج. ومع كل بردٍ يطرق الأبواب، يدعونا الشتاء إلى أن نكون أكثر صدقًا، وأكثر حضورًا، وأكثر شجاعة في مواجهة أنفسنا. وفي النهاية، يبقى الشتاء — بكل برده وهدوئه — موسمًا يعيد تشكيلنا من الداخل قبل الخارج.
عن الكاتب: كاتب صحفي وباحث تربوي