النهار

١٣ نوفمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ نوفمبر-٢٠٢٥       16060

بقلم - وداد مسعد 

‏تخيل لو إنك استيقظت يومًا ولكن ليس كأي يوم آخر،  فاليوم لم تجد بطاقتك البنكية ولا حسابك الإلكتروني ولا حتى عملاتك المعدنية او النقدية ، كيف ستتصرف مع حاجاتك الغذائية وهل ستبحث عن طرق لتأمين احتياجاتك ؟ ، وكيف ستسير خدماتك بلا مال 
لا أعني أن هذا الوضع مقصورٌ عليك بل على العالم أجمع كيف ستسير الأمور فيه ؟ وهل ستتغير أولوياته ؟ ترى كيف سيكون للعمل قيمة عند بعض المفاهيم إن لم يكن هنالك راتب ؟ وما معنى التملك إن لم يعد هناك ثروة ؟ هل سيعود المغترب لوطنه وأهله أم سيبقى في الوطن الذي احتضنه ؟ 
بلا شك أنه ستظهر دوافع جديدة للحياة واختفاؤه سيعيد ترتيب القيم والمبادئ حيث لن يواصل عمله إلا من يحب مهنته ، وستقام علاقات مترابطة جديدة والتعاون الإنساني سيصبح في أعلى مستوياته من القوة لأنه لم يعد هناك مصالح مادية بين البشر وإنما على الاحترام والتقدير المتبادل . 
وهذا الأمر قد يفرض علينا تفكير أعمق في العدالة والمساواة فالفرق بين الأغنياء والفقراء لن يكون مرئيًا مما سيحقق عدالة واضحة بالمجتمع ، فالتفاوت قد يتجلى بصورٍ أخرى : كالصحة ، القوة ، الشجاعة، المكانة الإجتماعية ، السمعة الطيبة ، إلى غيرها من الأشكال البعيدة تمامًا عن المادية .
سيتجه الأغلب للعمل التطوعي لما له من قيمة أكبر ، إذ سيصبح معيارًا للنجاح والتقدير  ، فلم يعد الدافع للقيام بالمهام  الراتب أو الثروة المادية وإنما الحب والإخلاص والرغبة بخدمة المجتمع إلى جانب شعور العطاء والإنسانية وهو شعور لم  يمنحه المال أبدًا .
وفي المقابل ستظهر تحديات جديدة فهناك من سيفقد الشغف والهدف بهذه الحياة خصوصًا أولئك الذي عرفوا حياتهم عبر المال ومن كانت تعني لهم الممتلكات المادية معنىً كبيرًا .
وهناك من سيفقد قيمته لأن البعض هو من أعطاه المال قيمة أما بدونه فلا يبصر له رقي ولا تقدير ،وهذا بسبب افتقاره الكلي بالارتقاء الأخلاقي .
وأما عن سير الخدمات فالأكيد أنه ستتم عن طريق المقايضة والتبادل كما كان يحدث قديمًا حين لم تكن النقود قد ظهرت بعد فبدلًا من أن تدفع قيمة الخبز قد تقدّم خدمة في المقابل أو المعلم يعلّم الطلاب مقابل إنهاءهم شؤونه اليومية وهكذا ، وكما حصل باليونان عام 2010 عندما أنهار الاقتصاد المالي لديهم رغم انه لم يتم الاعتماد على المقايضة بشكل تام .
إلا أننا اليوم أمام عالم لايمكن أن يعتمد على طرق المقايضة البدائية ذاتها ، فلا يمكن أن يُستبدل العسل بالحطب ، والسكر بالقمح ، بل نحن في عالم متشابك ومترابط نحتاج فيه إلى الكهرباء والإنترنت والرعاية الطبية المتقدمة وخدمات لايمكن تبادلها بشكل مباشر بين الناس . 
لذا ان تلاشت الأموال بواقعنا هذا سنحتاج حتمًا إلى نظام جديد بالكامل وآلية مختلفة عن سابقها مثل مقايضة الوقت بالوقت، كنظام "Time Banking” والمستعمل حاليًا بأكثر من دولة كالولايات المتحدة الامريكية واليابان وبريطانيا وهو نظام غير معتمد على المال وإنما رصيد من الوقت ، حيث يقوم الفرد بتقديم خدمة مدتها ساعة مثلًا ويحصل بالمقابل على ساعة بخدمة أخرى ، كساعة من التعليم مقابل ساعة من الطب ، وساعة من رعاية كبار السن مقابل ساعة من إصلاح الأجهزة ،ويكون الثري هنا هو من يملك أكثر رصيد من الوقت المهدي للآخرين . 
ربما..لن تزول النقود أبدًا ، لكن مجرد التمعن والتفكر بمسألة اختفاؤه تجعلنا ندرك أن القيمة الحقيقية لا تُطبع بالبنوك ، وأن الأنسان نفسه هو المعيار الأصدق الذي يعطي لكل شي قيمة.