بقلم- ريماس الصينية – الصحفية في CGTN العربية
بينما تتجه أنظار العالم نحو الشرق، تلمع في الخريطة الاقتصادية للصين نجمة جديدة تقع في المناطق الاستوائية، هي جزيرة هاينان الصينية، التي تجاوزت صورتها كوجهة سياحية خلابة لتتحول بسرعة إلى منصة جديدة للانفتاح العالمي.
واليوم تدخل خطوتها الجوهرية – إطلاق نظام جمركي جديد على مستوى الجزيرة – مرحلتها التحضيرية الأخيرة.
لكن هذه العملية لا تعني الانعزال أو الانغلاق، بل هي في جوهرها باب يفتح على مصراعيه أمام التجارة والاستثمار الدوليين، لتضع العالم أمام طريق سريع غير مسبوق نحو فرص اقتصادية متنامية.
وبالنسبة للعالم العربي، الذي يمتاز بروح المبادرة التجارية ويسعى لتنويع اقتصاده، فإن ما تتيحه هاينان من آفاق جديدة يشبه "المطر في أوانه" الذي ينبت أرضا خصبة للفرص المشتركة.
لفهم هذه الخطوة، يجب التوقف عند جوهر تصميمها القائم على مبدأ الانفتاح في الخط الأول، والرقابة في الخط الثاني، والحرية داخل الجزيرة.
فالخط الأول الذي يربط هاينان بالعالم سيكون مفتوحا على نحو غير مسبوق، ما يسمح بتدفق السلع ورؤوس الأموال والأفراد بحرية عالية.
أما الخط الثاني، أي ارتباط الجزيرة بالبر الرئيسي الصيني، فسيخضع لإدارة فعالة ومنظمة.
النتيجة ستكون بناء نظام اقتصادي داخلي حر ومرن يجعل من هاينان نموذجا لأعلى معايير مناطق التجارة الحرة في العالم.
هذا الابتكار المؤسسي الضخم سيحدث تحولا حقيقيا في التجارة والاستثمار الدوليين. وستتجلى فوائده بشكل خاص في التفاعل مع الاقتصادات العربية.
فتخيل أن المنتجات السعودية من الكيماويات الأساسية، أو الألمنيوم الإماراتي عالي الجودة، أو المعدات القطرية للغاز الطبيعي المسال، يمكن أن تدخل هاينان بضرائب جمركية منخفضة أو معدومة، ما يعني خفضا كبيرا في التكلفة وزيادة قوية في القدرة التنافسية.
وفي المقابل، يمكن للمنتجات الزراعية والغذائية العربية المميزة مثل الحمضيات المصرية أو زيت الأرجان المغربي أن تصل بسرعة أكبر وأسعار أفضل إلى أسواق هاينان ومنها إلى السوق الصينية الأوسع.
ويمكن للشركات العربية إنشاء مراكز توزيع ومعالجة متقدمة في الجزيرة لتكون قاعدة انطلاق نحو أسواق شرق آسيا بأكملها.
أما في مجال الاستثمار المالي والاقتصادي، فإن نبض الحرية سيتسارع أكثر.
فهاينان تبني نظاما متكاملا لإدارة التمويل والاستثمار يتماشى مع القواعد العالمية، مما يمنح رؤوس الأموال العربية فرصة نادرة لإدارة استثماراتها العالمية بمرونة وشفافية.
هذه الرؤية تتقاطع مع استراتيجيات رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2031 التي تركز على التنويع الاقتصادي والانفتاح على الاقتصاد المعرفي.
وسواء تعلق الأمر بتطوير مشاريع السياحة العلاجية الفاخرة، أو التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، فإن هاينان تقدم منصة تجريبية مثالية لبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
جغرافيا واقتصاديا، يمثل التقارب بين هاينان والعالم العربي تناغما طبيعيا واستراتيجيا.
فالجزيرة تعد نقطة محورية في طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين، في حين يحتل العالم العربي موقعا مركزيا يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وحين تلتقي نسائم هاينان الدافئة بشمس الخليج العربي الساطعة، تظهر مساحات واسعة للتعاون في السياحة والمناخ والاستثمار، من بناء منتجعات بحرية فاخرة إلى إنشاء مراكز عالمية للطب والعلاج والاستشفاء.
إنها ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل تجسيد لإرادة مشتركة في بناء مستقبل قائم على الابتكار والمعرفة.
ولا يمكن تجاهل أهمية حرية تنقل الأشخاص في إنعاش هذا المشهد الجديد.
فهاينان تطبق حاليا سياسة الإعفاء من التأشيرة لمواطني 86 دولة، تشمل عددا من الدول العربية، ما يسهل زيارة رجال الأعمال والسياح.
ومع نضوج النظام الجمركي الجديد ، ستزداد تسهيلات الإقامة والعمل، لتصبح إدارة الأعمال الدولية في هاينان أكثر سهولة وسلاسة.
إنها اللحظة المثالية لرواد الأعمال العرب الراغبين في التوسع والاستكشاف.
زيارة هاينان الآن، من منطقة جيانغ دونغ المبتكرة في هايكو، إلى منطقة الأعمال المركزية في سانيا، أو إلى منطقة يانغبو الاقتصادية النشطة كميناء رئيسي، تعني الاطلاع المباشر على ديناميكية التحول الصيني الجديد.
كما أن بناء علاقات مع الهيئات الاقتصادية ومؤسسات الخدمات المهنية في هاينان سيمهد لشراكات مستقبلية قائمة على الثقة والمصالح المتبادلة.
هاينان، بفتحها الجمركي الكامل، تقدم اليوم بطاقة تعريف جديدة لانفتاح الصين على العالم.
فهي تعلن عن مرحلة تتسم بقدر أكبر من الشفافية في القواعد، والحرية في الحركة، والكفاءة في التعاون.
وبالنسبة لرجال الأعمال العرب، الذين توارثوا حكمة التجارة عبر قرون، فإن فهم ديناميكيات هاينان والارتباط بها يعني استباق الفرص والإسهام في موجة جديدة من الانفتاح الصيني عالي المستوى.
إن هذه الأرض الواعدة تنتظر لقاء العقول العربية، ورؤوس الأموال، والطموحات مع روح التطور في الصين، لكتابة فصل جديد من التعاون المربح للطرفين.