بقلم - علي بن عيضة المالكي
في مقال سابق سلطنا الضوء على الواسطة والمحسوبية ذلك السرطان الذي يدمر العدالة وكيف أنها تقود المجتمعات إلى التفكك والتمزق، وكيف ينعكس أثرها على الكفاءات الطموحة.
اليوم نناقش بعمق ما يحدث بعدما يتشظى المجتمع وتتطاير معايير العدالة، ويغرق الجميع في الفوضى ثم يعجزون عن التمييز بين القائد واللص بسبب تفشي ظاهرة التدليس عليهم .
هيا بنا صديقي القارئ نناقش معًا تأثير الفوضى على أمان الفكر ، واستقرار الوعي .
الفوضى لا تُدمّر الأبنية وحدها، هي في الواقع تهدم منظومة الأخلاق من الداخل. حين تغيب القيم، يُصبح النجاح هو البقاء، لا النزاهة؛ ويغدو الذكاء حيلة، لا بصيرة.
تتبدّل المفاهيم حتى لا نعود نعرف معنى الشجاعة ولا الخيانة، فالأول يلبس الثاني، والثاني يتزيّا بثوب الأول. وحين يختلّ الوعي الجمعي، لا يعود الناس يبحثون عن الحق، إنهم يهرولون بحثًا عن الشعور بالأمان، ولو في حضن الكذب.
إن أخطر ما في الفوضى هو سحق الوعي في صمت ! خاصة حينما يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الكذب والصدق ، بين الحق والباطل ، ويستبعد الصدق والحق بطريقة ناعمة أقرب إلى الإقناع منها إلى القوة.
في الفوضى، يصبح الخوف من المجهول أقوى من الرغبة في الإصلاح. يتعلّق الناس بأي يدٍ تمتدّ إليهم، حتى لو كانت يدًا تُغرقهم، اللص يعرف هذا جيدًا، لذلك يتحدث دائمًا بلغة المصلح، ويقدّم وعودًا جاهزة، وخلاصًا سريعًا، بينما الشخص الحقيقي يطلب منهم صبرًا وتعبًا ومسؤولية ولهذا يُرفض! ليس لأنه غير جدير ولكن لأنه يقول الحقيقة وينطق بالصدق.
في الفوضى، لا يُسمع صوت الحكمة لأنها لا تصرخ. الصادق لا يملك وقتًا لتزيين كلماته، بينما الكاذب يعيش من أجل ذلك التزيين. ومن هنا، تتضخم المأساة: الوعي يتعب، والسطحية تنتصر.
لذا ينبغي علينا رفع مستوى الوعي وضرورة التمييز حتى ننجو من الفوضى ،فالنجاة من الفوضى لا تبدأ من القوانين ولا من القصور، إنما من داخل الإنسان. حين يُعيد المرء ترتيب مقاييسه، ويتعلّم أن الصوت العالي لا يعني الصواب، وأن الهالة لا تعني الحقيقة، يبدأ الوعي بالشفاء.
علينا أن نُعلّم الأجيال أن لا يُخدعوا بالمظهر، أن يسألوا دائمًا: من المستفيد؟ ومن المتضرر؟ لأن هذا السؤال وحده كفيل بفضح اللصّ مهما لبس من ثياب البطولة ومهما أظهر من براءة ووداعة، فالحيّة ملمسها ناعم ، لكنها لدغتها قد توصل الملدوغ إلى القبر.
القائد الصحيح لا يُقاس بشعاراته، هو يقاس بقدرته على أن يجعل الآخرين قادة. أما اللصّ، فيُقاس بعدد الذين يظلّهم بظلاله ويمنع عنهم النور.
ثمة أشياء كثيرة ينبغي علينا تعلمها لتجنب الوقوع في وحل التشتت والضياع، أعلاها شأن معرفتنا بأن الفوضى لا تدوم، لكنها تترك في الذاكرة ندوبًا ولا سيما بعد أن تهدأ العاصفة، يظهر السؤال الأعمق: هل تعلّمنا؟ أم أننا سنعيد أخطاءنا حين يلمع اللصّ من جديد؟
التاريخ لا يرحم الغارقين في الفوضى، لأنه يعلم أن من فقدوا القدرة على التمييز اليوم، سيُساقون غدًا للتصفيق لجلاديهم وهم يظنون أنهم يصفقون لصناع المجد المزعوم.
إن النجاة الحقيقية ليست أن تخرج من العشوائية حيًّا، الانعتاق أن تخرج منها مبصرًا. لأن الكارثة ليست في أن يغرق الناس، المصيبة في أن يعتادوا الغرق، فلا يعودون يشعرون أن هناك شاطئًا آخر اسمه الحقيقة.
يبدأ التصدع كهمسٍ ثم يتحول إلى موجةٍ ناعمةٍ تعيد تشكيل شواطئ الوعي، هكذا ببساطة شديدة تتسلل الفوضى بطريقة جدًا مرنة يشعر بها الجميع تضرب أعماقهم لكنهم لا يستطيعون مقاومتها ، تُحدث ضجيج وهزة في الكينونة فيعتقد الكل أنها مجرد فورة لحظية ثم تنتهي يصرخون ، يطلقون صيحات موجعة ، يحاولون في بدايتها فرض شعارات لكن سرعان ما يدركون أنها أكثر تمكن: هي إعصار داخلي يهزّ المقاييس، فيقلب ما كان واضحًا إلى غبارٍ يُحجب به النور.
هنا، أمام هذا الغبار، يصبح التمييز فعلاً نادرًا وصعب المنال: القائد واللص يشاركان نفس المسرح، ويستخدمان نفس اللغة، ويقنعان الجموع بأن ما يفعلان هو خلاصٌ أو هبة.
الفوضى ليست مجرد حالة سياسية أو اجتماعية، أيضا هي حالة روحية ومعرفية. حين تتآكل الثقة بالمؤسسات، وتضعف قدرة الناس على تفسير الأحداث، يتراجع معيار الحقيقة ويترسّخ معيار الانطباع.
يصبح السؤال ليس( ماذا يقول؟) إنما ( بأي قوة يقول؟) وهنا تكمن الخدعة: الصوت العالي يَسْتبدل الحجة، والوميض يَخفي الجرة المتشققة تحت مساحته.
الفوضى تشوّه الأفق الأخلاقي، وتُخفي الحدود بين النبل والنهب.
هنا يصعد بقوة فنّ التمويه؛ يتعلم اللصوص لغة القادة: وعود متقنة، رموز معنوية، صور بطولية تُعاد تدويرها.
الإنسان الحقيقي لا يحتاج إلى خدعةٍ بصرية دائمة؛ حضوره يُقرّه العمل والثبات.
أما المزيفون فيتقنون الأداء، يلبسون أقنعة الفضائل ويجيدون الانتقال بين الأدوار.
هناك مبدأ نفسي بسيط يعمل في قلب الفوضى: البشر يفضّلون الحلول السريعة على التأمل الطويل، واليقين الظاهري على البحث المضني عن الحقيقة.
عندما يختلط الخوف بالأمل، تصير الحاجة إلى قرارٍ فوري أقوى من الحاجة إلى تمييز دقيق. هذا يخلق سوقًا مربحًا لمن يقدم إجابات جاهزة والخطر يكمن في تلك الإجابات المعلبة ممزوجة بشعارات مبسطة وسطحية وهكذا، يصبح الفعل السياسي أو الاجتماعي أقل أهمية من عرضه، وتتحول القيادة إلى صناعة صور، فتضعف المحاسبة.
بغياب معايير واضحة، فيسهل تبرير الاختلاس باسم الضرورة أو الإصلاح.
تتآكل بعدها الشفافية لأن تفسير الفعل يُصبح عبئًا ثانويًا أمام سردية النجاة ثم تجيء المؤسسات التي يفترض أن تعمل كمرشدة للتمييز فتنهار أو تُحجَب تحت غبار البيروقراطية أو الاستغلال.
هذا الحرمان من معايير مستقرة يؤدي إلى فصل بين المعيار والواقع؛ ونشاهد حينها أن البراهين تتلاشى أمام قدرات التأثير.
لا يكفينا اليوم أن نلوم الفوضى صوريًّا بوصفها عدوًا خارجيًا؛ يجب أن نعمل على تقوية شبكات التمييز داخليًا واجتماعيًا،ونقاوم من يبحث عن إغراق الناس في التشتت ،المقاومة تبدأ بثلاث حركات متداخلة:
. التأمل المنهجي: ليس تأملاً هروبًا، إنما تأمّلٌ مدرّب على سؤال الافتراضات، اختبار المصادر، وتمييز الصوت عن الرسالة.
التأمل هنا يجعل من المتلقّي مدققًا لا متلقيًا ساذجًا.
. إعادة بناء المؤسسية: مؤسسات شفافة وقابلة للمساءلة تُعيد ربط الفعل بالقيمة.
حيث توجد محاسبة واضحة، تقلّ فيها قدرة المزيفين على الادعاء دون ثمن.
. تربية الوعي العام: تعليم القدرة على النقد، وتعويد الأجيال على التحقق بدل التهوين أو التقييم السطحي.
المواطنة الواعية تُقوّي مناعة المجتمع ضد بريق الزائفين.
آخر القول: إنً حمل مصباح الحكمة حيثما أمكن ينتج لنا أدوات تمييز، معها نستطيع إعادة بناء مؤسسات مسؤولة، وأن نغرس فينا القدرة على الصبر في البحث عن الحقيقة، ويعود الصدق معيارًا ذو قيمة فيه تُختبر الأفعال وليست الكلمات ويُعلَم أن المحاسبة لا تُمحى، عندها يعود القائد وينكشف واللص ويحاسب وتعود البساطة كون الجميع اختار الوضوح والشفافية.