بقلم - عيسى المزمومي
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرةُ المصالح الضيّقة، وتتراجع فيه القيم أمام اندفاع المادّة، يظلّ بعض الرجال كالنور في آخر النفق، يضيئون الطريق للآخرين دون أن ينتظروا ثناءً أو جزاء!
هؤلاء هم الذين يختارون أن يعيشوا للناس، لا لأنفسهم، وأن يكونوا جسرًا للخير، وعنوانًا للعطاء، ومثالًا للإنسانية الراقية.
ومن بين هؤلاء الرجال الذين أنارت سيرتهم القلوب قبل الصفحات، يبرز اسم الشيخ الوجيه العم "عبد الله السيهاتي" ، _حفظه الله. رجلٌ لا تحيطه الكلمات بقدر ما تعبّر عنه الأفعال، ولا تُنصفه المدائح بقدر ما تخلّده بصماته في حياة الناس.
لقد لقّبه الفنان السعودي الكبير الأستاذ علي السبع بـ"فارس الكرم والجود"، وهو لقبٌ لم يأتِ من فراغ، بل من واقعٍ تجسّد في سلوكٍ نادرٍ وسيرةٍ تستحق أن تُروى.
حين يصبح الكرم سجيةً لا تكلفًا، والعطاء عادةً لا مباهاة، يتحول صاحبه إلى مدرسةٍ في السخاء الإنساني. و الوالد والشيخ عبد الله السيهاتي لم يكن مجرّد رجلٍ ثريٍّ يفتح بابه للناس، بل إنسانًا يرى في البذل رسالةً، وفي الإحسان عبادةً.
يغدق من ماله ووقته وجهده على من حوله، يواسي الحزين، ويقف إلى جانب المحتاج، ويشارك الجميع أفراحهم وأتراحهم، حاضراً في الملمات، مؤنسًا في الوحشة، وداعمًا في الأزمات.وفي كل موقفٍ من مواقفه، تجد أنه يقدّم نفسه قبل عطاياه، وكأنه يرى في الخير معنى الوجود ذاته.
ولذلك أحبّه الناس، وذاع صيته في المنطقة الشرقية عامة، وفي سيهات خاصة، حيث أصبح رمزًا للكرم، ومثلاً يُحتذى في الإنسانية والتواضع!
ما يميّز الشيخ السيهاتي أنه لم يرَ الثروة وسيلةً للترف أو وجاهةً اجتماعية، بل مسؤوليةً أخلاقية ووطنية. كان يؤمن أن المال بلا رسالةٍ يفقد قيمته، وأن الغنى الحقيقي هو في بناء الإنسان لا في تكديس الأرقام.
لذا، أينما نظرت وجدت بصماته في مجالات التعليم، والرعاية الاجتماعية، والتنمية الإنسانية، من خلال دعمه للمحتاجين، ورعايته للمشاريع الخيرية، وتشجيعه للمبدعين من الشباب.
وعلى هذه المبادئ ربّى أبناءه، وفي مقدمتهم الدكتور نجيب السيهاتي، ليواصلوا مسيرة الأب في البذل وخدمة المجتمع.
والنفوس العظيمة تُقاس بقدرتها على احتواء الآخرين لا بتسلّطها عليهم. والشيخ السيهاتي كان نموذجًا للاتزان والحكمة، يحمل في قلبه سعة الصحارى وفي عقله عمق البحار!
يتأنّى في أحكامه، ويغلق أبواب الخلاف بالحكمة، ويؤمن أن التسامح قوة، وأن الإصغاء فضيلة، وأن الكلمة الطيبة صدقة لا تنفد.تجالسه فتنسى مكانته، لأن تواضعه يسبق تعريفه، وبساطته تزيده مهابةً واحترامًا!
قد يرحل الجسد، لكن بعض الأسماء تُخلَّد لأنها لم تعش لنفسها فقط، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان والزمان.
هكذا هو الشيخ عبد الله السيهاتي، رجلٌ آمن بأن السعادة تُصنع من أثرٍ طيبٍ يُزرع في قلوب الآخرين، فصار حضوره نبعًا لا يجف، وشجرةً وارفةً لا تحرم أحدًا من ظلّها.
ليس العظمة في حجم الثروة، ولا في عدد المشاريع، بل في الأثر الباقي في القلوب، وفي النور الذي لا ينطفئ حتى وإن غاب صاحبه.
ذلك هو جوهر الفلسفة الإنسانية في حياة الوجيه السيهاتي: أن يعيش الإنسان ليمنح، لا ليأخذ؛ وأن يكون في عطائه صدًى يُسمَع، وفي سيرته نورٌ لا يُطفأ!
عن الكاتب: كاتب و اعلامي سعودي