بقلم: د. خالد بن يحيى القحطاني
في القرن الثامن عشر أثار كتاب خرافة النحل للفيلسوف والطبيب الهولندي برنارد ماندفيل جدلاً واسعاً في أوروبا بأسلوبه الجريء وأفكاره غير المألوفة، والتي نُقلت بعض مقالاته مؤخراً إلى العربية بترجمة عبد الرحيم يوسف في كتاب ثلاث دراسات حول الأخلاق والفضيلة. الملفت للنظر أن هذا العمل -ورغم مرور ثلاثة قرون على ظهوره- ما زال حتى اليوم يثير أسئلة جوهرية حول: العلاقة بين الأخلاق والمصلحة، ودور الفرد في المجتمع، وحدود الطموح الشخصي في مواجهة المصلحة العامة.
ماندفيل في كتاب خرافة النحل انطلق من فرضية صادمة مفادها: أن المجتمعات لا تنهض بالفضيلة وحدها، بل قد يكون لـ الدوافع الفردية – التي يراها الناس مناقضة للأخلاق مثل حب المال أو السعي وراء الرفاهية أو الرغبة في التميز – دورٌ في دفع عجلة التقدم. كيف ذلك؟
يقول ماندفيل إن الفرد حين يسعى لتحقيق مكاسب شخصية، ويسرف في الاستهلاك أو الإنتاج بدافع أناني تكون النتيجة غير المباشرة انتعاش التجارة، وازدهار الصناعة، وخلق فرص عمل يستفيد منها الجميع. بعبارة أخرى: هو يرى أن المصلحة الخاصة حين تُدار بحكمة يمكن أن تتحول إلى منفعة عامة.
هذا الطرح جعل ماندفيل صاحب رؤية مختلفة عن معاصريه؛ فبينما كان نظيره آدم سميث يرى أن التقدم والتطور يقومان على الأخلاق الفاضلة التي تتحول تلقائياً إلى منفعة عامة، اعتبر ماندفيل أن الدافع الأساسي قد يكون أنانياً لكنه مع التوجيه السليم والرشيد يمكن أن يصب في صالح المجتمع.
ومن هنا يظهر دور السياسات الذكية في التوظيف الجيد للأفراد واستثمار طاقاتهم، بحيث لا يبقى الطموح مجرد نزعة شخصية، بل يتحول إلى مشروع إنتاجي أو ابتكاري يخدم المصلحة الوطنية، وهذا بالضبط ما نراه واقعاً في المملكة العربية السعودية، التي أولت الاستثمار في رأس المال البشري مكانة محورية عبر برنامج تنمية القدرات البشرية، الذي يركّز على تحويل الطموح الفردي إلى منفعة وطنية وجماعية، وعلى جعل ريادة الأعمال والاستهلاك الواعي والسعي نحو التميز الشخصي مسارات تصب في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
ما بين الماضي والحاضر يتضح لنا أن القيمة الحقيقية لأفكار ماندفيل لا تكمن في موقفه الغريب تجاه الفضيلة، بل في إصراره على : أن المجتمع يحتاج إلى قيادة احترافية تدير دوافع البشر بايجابية ، وأن القائد الناجح هو من يعرف كيف يستثمر حتى في الميول الفردية لتوجيهها وتوظيفها نحو المصلحة العامة.
في الختام، يمكن القول إن كتاب ثلاث دراسات حول الأخلاق والفضيلة ليس مجرد ترجمة لفكر أوروبي قديم، بل نافذة على حوار مستمر حول الإنسان ومجتمعه، وعن الكيفية التي يمكن أن تتحول بها المصلحة الخاصة (والفردية) – عبر التوظيف الأمثل للطاقات والقدرات – إلى قوة ( مجتمعية )دافعة نحو مستقبل مشترك أكثر ازدهاراً.