بقلم: الصادق جادالمولى
هنا الأرضُ التي فاقَت مَداها
وما للمجدِ مُعتنَقٌ سِواها
هنا الصحراءُ والأمسُ المكنّى
بذاكرةٍ تسطّرُ مُبتداها
بيومِ العزِّ يا وطناً جسوراً
بكلِّ فضيلةٍ عُليا تَباهى
حين يطل اليوم الوطني القادم يتجدد العهد مع ذاكرة المجد التي صاغتها الأيدي الصابرة، وارتفعت بها الهامات حتى غدت المملكة شاهدة على قصة عزّ فريدة، وهو مما لا شك فيه يومٌ لا يمرّ عابرًا في صفحات التاريخ، بقدر ما يقف كمنارةٍ تضيء الدروب، وتقول للأجيال: هنا وطنٌ يعرف كيف يُحسن كتابة حاضره وصناعة مستقبله.
لقد كان لي شرف أن يتجسد معنى هذا العز في يوم التأسيس؛ حين صدر أوبريت يوم العز من كلماتي وألحان الموسيقار القدير أمير عبدالمجيد واستطعنا من خلاله - ولله الحمد- حمل الكلمة إلى فضاء اللحن، وصياغة موسيقى تنبض بذاكرة الأمة وتختصر في ألحانها رحلة الوطن من الصحراء إلى الفضاء، وكان الأوبريت شهادةً فنيةً على أن الاحتفاء بالوطن يتجاوز حدود القول إلى ميدان الإبداع، فهو ويوم التأسيس ليست أيام ذكرى عادية وإنما طاقةٌ متجددة تتدفق في الوجدان وفي وجوه الأطفال الذين يرفعون الأعلام، وفي عيون الشباب الذين يبنون ويبتكرون، وفي دعاء الشيوخ الذين يرون ثمرة أعمارهم تينع على أرضٍ عزيزة، ولا أبالغ إذا قلت بأن كل لحظة في هذا الوطن هي سطرٌ في ملحمة، وكل إنجازٍ هو جسرٌ يُبنى نحو غدٍ أكثر إشراقًا.
ومنذ عهد الملك المؤسس - يرحمه الله- كان المشروع أكبر من حدود الجغرافيا ليكون مشروع نهضةٍ ووعي ومشروع حضارةٍ تُعيد للإنسان العربي مكانته، واليوم حين تسير المملكة برؤية طموحة يقودها مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وسمو سيدي ولي عهده -حفظهما الله- فإنها لا تنظر إلى ما تحقق فقط بل تمضي إلى ما لم يتحقق بعد، فالمشاريع العملاقة ليست أحجارًا تُرفع فوق بعضها، وإنما أحلامٌ تُبنى على قاعدة صلبة من الإيمان والثقة والطموح، ولعل اليوم الوطني هو مناسبة تجعلنا نتأمل في كيف يجتمع الماضي بالحاضر، فالصحراء التي كانت مسرحًا للرحلة الأولى أصبحت اليوم ساحةً تنطلق منها السيارات الكهربائية والمصانع الذكية، والنخل الذي كان رمزًا للرزق البسيط غدا رمزًا للاستدامة والوفرة، وهكذا تتحول الرموز من مجرد صور إلى علامات دائمة على طريق التنمية.
ويبقى أن الاحتفال الحقيقي ليس في الألوان والأضواء، وإنما في القناعة العميقة بأن الوطن مشروع متواصل لا يتوقف عند محطة ولا يكتفي بإنجاز، في ظل عهدٍ يكتب كل يوم، وأملٌ يزهر كل صباح، وصوتٌ يقول: هذا وطنٌ لا يعرف المستحيل.