النهار

٠٦ سبتمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ سبتمبر-٢٠٢٥       13200

بقلم: د. أماني عبدالوهاب


في زمنٍ لم يعد فيه الإرث مقتصرًا على الذهب والعقار والأسهم، برزت ثروة جديدة لا تُقاس بالمتر المربع ولا تُحصى بالأرقام البنكية، "الإرث الرقمي" هي صورنا، رسائلنا، حساباتنا البنكية الإلكترونية، حتى كلماتنا المبعثرة على منصات التواصل؛ كلها تتحول بعد الرحيل إلى ميراث يثير من الأسئلة أكثر مما يقدّم من الإجابات.
لقد دخلت الإنسانية عصرًا يصبح فيه السؤال عن "من يرث الذاكرة الرقمية؟" أكثر إلحاحًا من سؤال: "من يرث الأرض والدار؟"، وهنا يطل التحدي القانوني برأسه ليفتح بابًا لم يُطرق بعد في كثير من الأنظمة: كيف يمكن صياغة تشريعات تُنصف الورثة دون أن تُخترق خصوصيات المتوفى؟ وكيف يمكن لأنظمة وطنية، مثل النظام السعودي المستند إلى الشريعة، أن تجد لغتها الخاصة في عالم لا يعرف الحدود الجغرافية؟
الوراثة الرقمية: تركة من نوع جديد
القانون التقليدي عرّف الميراث بأنه انتقال أموال وحقوق الشخص المتوفي إلى ورثته، لكن مع الثورة الرقمية، أصبحت هناك "تركة جديدة" لم يتخيلها الفقهاء الأوائل: كحسابات فيسبوك، ومكتبات أمازون، ومحفظة بيتكوين، أو حتى قناة يوتيوب تُدر دخلاً شهريًا.. فهل تُعامل تلك التركة كما يُعامل العقار والمال، أم تُعتبر ممتلكات غير قابلة للانتقال؟
التحدي الأول: الخصوصية بعد الموت: الخصوصية حق لصيق بالإنسان، لكن هل ينتهي بوفاته؟
بعض التشريعات الأوروبية تترك الخيار للفرد عبر ما يُسمى "الوصية الرقمية" ليحدد من يدير حساباته بعد رحيله، أما في المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية، لا يزال الباب مفتوحًا: هل من حق الورثة الاطلاع على رسائل وصور المتوفي، أم تُعتبر أسرارًا شخصية يحميها النظام حتى بعد الوفاة؟
حيث أن التوازن هنا معقد، لحماية حرمة الحياة الخاصة من جهة، وضمان عدم ضياع حقوق مالية أو ذكريات إنسانية من جهة أخرى.
التحدي الثاني: البيانات كأصل اقتصادي: إذا كان النفط "ذهب الأمس"، فإن البيانات هي "ذهب اليوم"، لكن من يملك هذا الذهب بعد الوفاة؟
بعض الفقهاء يعتبرون البيانات ثروة وطنية ينبغي أن تُعامل كأصل اقتصادي يخضع للتنظيم مثل النفط والغاز، وآخرون يرونها حقوقًا شخصية لا تنتقل إلا بإذن صريح مسبق من صاحبها، والنتيجة هي، غياب إطار تشريعي واضح يجعل مصير الثروات الرقمية معلقًا على سياسات الشركات الأجنبية، لا على نصوص القانون الوطني.
التحدي الثالث: الالتزامات العابرة للحدود: الوراثة الرقمية ليست محصورة في حدود جغرافية؛ فقد يكون الحساب سعوديًا على منصة أمريكية تخضع لقوانين الاتحاد الأوروبي، فهل يملك الورثة في السعودية حقًا قانونيًا ملزمًا لدى شركات مثل "غوغل" أو "ميتا"؟ أم أن شروط الخدمة التي وقّعها المتوفى قبل رحيله هي الحَكَم الأخير؟
النظام السعودي يقول بوضوح أن التركة تنتقل للورثة، أي أن الحسابات والبيانات إذا كان لها قيمة فهي حق مشروع لهم، لكن المنصات الدولية تردّ: "شروط الخدمة فوق الجميع"، وبين النص الشرعي والنظام المحلي من جهة، وعقود الشركات العابرة للقارات من جهة أخرى، يقف الورثة في منطقة رمادية.
الحل لا يكمن في الاستسلام لتلك الشروط، بل في بناء قواعد قانونية جديدة، كوصية رقمية يتركها الفرد لتحديد مصير حساباته، أو تشريع سعودي يُلزم المنصات التي تخدم مواطنيه بالاعتراف بحق الورثة، بل أن المشهد قد يتطور إلى تفاوض دولي مباشر بين الدول والمنصات، تمامًا كما تتفاوض الحكومات على قضايا التجارة أو حماية المستهلك.
إذن، القول بأن "شروط الخدمة هي الحَكم الأخير" لم يعد مقنعًا، فالمستقبل يفرض أن تكون الكلمة الأخيرة للنظام الوطني، المدعوم بأدوات تشريعية مرنة واتفاقيات دولية تضع المنصات أمام التزام واضح، وهو احترام حق الورثة في عالم رقمي لا يقل أهمية عن الوراثة التقليدية.
ماذا عن الحسابات المولّدة للذكاء الاصطناعي؟
تخيل أن شخصًا ترك "نسخة رقمية ذكية" منه تردّ على الرسائل وتنتج محتوى. هنا السؤال: هل يرث الورثة هذا "الكائن الرقمي" باعتباره ملكية فكرية، أم يُعتبر امتدادًا للشخصية التي لا تورث؟
إذا خلّف المتوفى "نسخة ذكية" مولدة بالذكاء الاصطناعي – تكتب باسمه، ترد على الرسائل بصوته، وربما تحاكي سلوكه – فهنا نقف عند مفترق طرق قانوني وفلسفي معًا:
1. من زاوية الملكية الفكرية: يمكن النظر إلى هذا الكائن الرقمي باعتباره نتاجًا فكريًا ابتكره الشخص، وبالتالي قد يخضع لحقوق الملكية الفكرية، في هذه الحالة يصبح من الممكن توريثه باعتباره أصلًا غير مادي، شأنه شأن كتاب أو برنامج أو براءة اختراع، الورثة هنا يرثون "الأداة" لا "الإنسان"، أي أن لهم حقوق الاستغلال التجاري أو الاقتصادي، لا الحقوق الشخصية البحتة.
2. من زاوية الشخصية والهوية: المشكلة تكمن في أن هذه النسخة الذكية ليست مجرد أداة، بل هي محاكاة للشخصية الإنسانية، تتكلم بلسان المتوفى وترد بروحه بعض الفقهاء قد يرون أن الشخصية لا تُورث، لأنها مرتبطة بكرامة الفرد وخصوصيته، فلا يمكن أن تنتقل للورثة كما تنتقل العقارات، وهنا يثور التساؤل: هل يحق للورثة تشغيل نسخة رقمية من والدهم أو شقيقتهم، بينما قد يتعارض ذلك مع رغبة المتوفى في طيّ صفحته بعد الموت؟
3. التوازن القانوني المقترح: قد يتجه التشريع في المستقبل إلى فصل شخصيتين داخل النسخة الذكية، إحداها شخصية "مبدع المحتوى" التي تُورث كحق اقتصادي (النسخة تنتج محتوى يمكن استثماره)، وشخصية "الهوية الإنسانية" التي تُحاط بحماية خاصة، بحيث لا يجوز استغلالها إلا بإذن مسبق من المتوفى (وصية رقمية) أو قرار قضائي يراعي الكرامة والخصوصية.
في المحصلة، لم تعد مسألة الوراثة الرقمية ترفًا فكريًا أو نقاشًا أكاديميًا، بل باتت قضية حيوية تمس كل أسرة وكل مجتمع، وإذا كانت المملكة قد قادت مشروعات تشريعية كبرى في مجالات الاستثمار والتقنية والحوكمة، فإن الفرصة اليوم سانحة لأن تكون السبّاقة عربيًا في رسم معالم "مدوّنة الوراثة الرقمية".
وهي مدوّنة تضع حدًا للفراغ التشريعي، وتوازن بين خصوصية النظام السعودي المستند إلى الشريعة، وبين متطلبات الواقع الدولي الذي تفرضه شركات عابرة للقارات، فالتشريع ليس مجرد استجابة للتحديات، بل إعلان عن سيادة قانونية تُذكّر بأن الإرث لا يتوقف عند العقار والمال، بل يمتد إلى الحسابات والبيانات والذكريات التي تشكّل هوية الإنسان في عالمه الرقمي.
وهكذا، يظل السؤال مفتوحًا: هل تتحول المملكة العربية السعودية إلى رائدة في ابتكار نموذج قانوني يصدّره العالم في مجال الوراثة الرقمية، تمامًا كما فعلت في مجالات أخرى؟ أم نترك مصائر حساباتنا معلّقة على بنود كتبها خبراء المنصات في وادي السيليكون؟. 

عن الكاتبة: مستشارة قانونية معنية بتحليل البعد التشريعي للتنمية في قضايا الاستثمار والأنظمة السعودية