بقلم: د. طارق بن حزام
حين يشتدّ الجدل، ويعاند كل طرف متمسكًا بما يراه الحقَّ الذي لايأتيه الباطل،نغفل عن
أن الخلاف في جوهره ليس أكثر من اختلاف زوايا نظر،وأن الطريق إلى التفاهم لا يُسدّ إلا حين نرفع رؤوسنا لندّعي امتلاك الحقيقةالمطلقة.
كيف يليق بنا أن نُحاصر الكون الفسيح–وهو بحر بلا شطآن – في قوالب ضيقةلاتتجاوزمدار كوكبنا؟كيف نُقنع أنفسنابأن معارفناالمحدودة ميزان للكون كله؟هنالك،يتكسرالجسر بين القلوب،ويتحول الحوار إلى صراعٍ لانهايةله.
لقد ألفنا –عن قصد أو غفلة – أن نصف المخالف بالجهل،نلقي عليه أوصافًا ترفعنالحظةًفوقه، غير أن تلك الأوصاف لاتصنع إلا وهْمًاهشًّابالتماسك،وتترك في أعين الآخرين صورةالمتعجرف المغرور.
ومع توالي الأيام،تتكشّف لنا الحقيقة شيئًا فشيئًا:أن هذا الكون أوسع من أن يحويه عقل، وأن المعرفة مهمااتسعت فهي شُعاع صغير في ليل طويل. وحينذاك،لامناص لنا من التواضع،ولا مفر من أن نبحث عن سلامٍ مع أنفسنا وسط عواصف الشك والجدال.
قد نتّهم غيرنا بالجهل،ويُتَّهمنا آخرون بالدّاء ذاته؛فذلك بعض ما يفرضه الطريق.لكن الأجمل أن ندرك أن قيمة النقاش ليست في كسب الغلبة،بل في الإصغاء إلى المختلف بلا تسفيه،وفي أن نؤمن بأن احترام الرأي الآخر واجب دينياقبل أن يكون خُلقًا إنسانيا.
إني لأشفق على من يظن أنّ العلم قد أُوتيه كلَّه
في وقتٍ يعلن فيه العلم ذاته عجزه عن الإحاطة بالكون.
وفي قصة موسى مع الخضر درس بليغ في التواضع والاعتراف بالفضل؛إذوقف موسى الكليم،وهو النبي المرسل،متعلّمًا عند عبدٍ صالح أوتي من علم الله ما لم يؤتَ هو. وفي ذلك بيان أن رفعةالعالم تكون بقدرمايحمل من تواضع للحق،وإقبال على طلبه حيثما كان.ثم يكتمل المشهد حين نسب موسى العلم إلى الله تعالى بقوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾، ليذكّرناالقرآن أن كل علم فيض من فضل الله،وكل حكمة قبس من نوره.وما أجمل أن نعيد قراءة الآخر بصفاء،وأن نتأمل الاختلاف كفسحة راحةلا كمنطقة صراع.فماالحوار في جوهره إلا حوارالمحبّين،وما أبهى أن نكسر جدران الغرور لنفتح نوافذ الرحابة.
إن الهدوء كلمة تبدأ منها كل سكينة،والعاصفة كلمة تنتهي بها كل مودة.ولو تحدث الناس بما يعرفون فقط،لساد الهدوء مساحات شاسعة من هذا العالم.
فلنبدأ إذن بكَلِمَةٍ سَوَاءٍ بيننا رقيقة،قبل أن يسبقناالصخب… فكل سلام يولد من حوار هادئ.