الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ سبتمبر-٢٠٢٥       12155

بقلم/ د. خالد بن يحيى القحطاني
(القيمة) التي يقدّمها أي كيان – سواء كان حكوميًا أو خاصًا أو غير ربحي – تبقى دائمًا تحت (الحصار الإيجابي) لرضا المستفيد، حصار لا يلين ولا يتوقف، ويستلزم أن تكون هذه القيمة في تزامن دائم مع تطلعات المستفيدين يومًا بعد آخر.
في القطاع الخاص، لم يعد هذا التزامن خيارًا، بل أصبح (قانون بقاء). وربما يفسّر ذلك ما أشار إليه مؤشر ستاندرد آند بورز 500، إذ انخفض خلال جيل واحد فقط متوسط عمر الشركات من ستين عامًا إلى أقل من عشرين عامًا، مع توقعات بزيادة هذا الانخفاض مستقبلًا. ومن هنا يتضح أن بقاء كيانات القطاع الخاص ونموها مرهون بقدرتها على جعل رضا المستفيد ومواكبة تطلعاته أولوية قصوى في خططها الاستراتيجية. فالمستفيد هو معيار البقاء، ولا استمرارية إلا لمن ينسجم مع توقعاته المتغيرة يومًا بعد الآخر. ولذلك يمكن القول إن هذه الكيانات تحافظ على توهجها من خلال دافع (تحقيق رضا المستفيد وتطلعاته)، ومواكبتها المستمرة لذلك عبر تبني ثقافة قائمة على المرونة الاستراتيجية والابتكار.
في القطاع الحكومي؛ القواعد مختلفة؛ فبقاء الكيانات الحكومية (مضمونٌ) لا محالة، وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو الدافع الحقيقي لتوهج الكيانات الحكومية إذا لم يكن (البقاء) كما في القطاع الخاص؟
الجواب هو أن الكيان الحكومي يمكن أن يحافظ على (توهجه) من خلال دافع آخر وهو (الإصرار على تحقيق الأثر المطلوب منه). 
لكن في المقابل ؛ من يفرض على هذا الكيان ذلك (الحصار الإيجابي) ليدفعه نحو الالتزام بتحقيق الأثر؟ 
صحيح أن هناك جهات رقابية تتابع وتراقب، غير أن التحدي الأهم يكمن في: كيف يمكن إيجاد آلية داخلية تجعل هذا الالتزام جزءًا أصيلًا من البنية المؤسسية والثقافة التنظيمية للكيان الحكومي؟
هنا يتجلى دور الاستراتيجية التي تمنح الكيان بوصلة واضحة لمساره، وتترجم أهدافه إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ. ومن خلالها تنبثق بطاقة الأداء المتوازن كأداة داخلية تعزز هذا الالتزام، عبر ربط الأهداف الاستراتيجية بالتنفيذ العملي من خلال مناظيرها الأربعة: (المستفيد، العمليات الداخلية، التعلم والنمو، والمنظور المالي). وهذه البطاقة لا تقتصر على القياس فقط، بل تمثل كذلك وسيلة للتعلم والتطوير المستمر، من خلال أسئلة تحليلية مثل: 
أين يتألم المستفيد؟ وأين تكمن النقاط الحرجة في نماذج العمل؟ وغيرها من الأسئلة التي تتبناها ثقافة الابتكار في الكيان الحكومي بتعاطف وفهم وتجريب وصولًا إلى حلول مبتكرة تلبي التطلعات وتواجه التحديات.
وعلى ضوء ذلك؛ يتضح جلياً إن الاستراتيجية، وبطاقة الأداء المتوازن، وثقافة الابتكار معًا تُعدّ (ممكنات) للتطوير والرقابة الذاتية داخل الكيان الحكومي. 
ومن أبلغ الأمثلة على (التوهج) الحكومي في تقديم القيمة الأكثر تعاطفاً مع المستفيد ما قدّمته وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية عبر مبادرة (طريق مكة) التي جسدت نموذجًا عالميًا رائدًا يُظهر كيف يمكن للاستراتيجية المدروسة أن تتحول إلى أثر ملموس والتي يمكن تحليلها عبر (المناظير الأربعة) وفقاً لما يلي: 
1. من منظور المستفيد: حيث صُممت التجربة انطلاقًا من التعاطف مع الحاج، لتقليل قلقه وتيسير رحلته.
2. من منظور العمليات الداخلية: حيث تحقق المبادرة تنسيق مؤسسي( افقي) و ( رأسي) عالي الكفاءة بين جهات متعددة مع تبسيط للإجراءات عبر نقلها إلى بلد المسافر قبل الإقلاع.
3. من منظور التعلم والنمو: حيث شكّلت المبادرة خبرة تراكمية جديدة تعكس قدرة الجهاز الحكومي على الابتكار في الخدمة.
4. من المنظور المالي: حيث تحقق استدامة في الموارد عبر تقليل التكرار، وتخفيض تكلفة الوقت والجهد على الزائر والجهات المنفذة معًا.
وبهذا يصبح الابتكار في (طريق مكة) تجسيدًا حيًا لفكرة أن الاستراتيجية ليست مجرد خطة مكتوبة، بل منظومة متكاملة تُقاس بالمناظير الأربعة، وتُبنى على ثقافة تضع المستفيد في صدارة الأولويات.