النهار

١٥ أغسطس-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ أغسطس-٢٠٢٥       47905

بقلم- د.طارق بن حزام

تروي الغابة قصة شجرةٍ عملاقة نبتت منذ أربعمائة عام،قاومت البرق أكثر من أربع عشرة مرة،ونجت من العواصف والرعود التي لا تُحصى،وظلت شامخة تتحدى قسوة الطبيعة، لكن نهايتها لم تأتِ بصوت الرعد ولا بقوة الرياح،بل جاءت في صمت حين تسلّل إليها جيش من الخنافس الصغيرة، وجدت طريقها إلى داخل اللحاء،وبدأت تنخر قوتها الداخلية حتى سقطت العملاقة التي لم تهزمها الصواعق يومًا،أمام عدوٍّ يمكن سحقه بين الأصابع.

هكذا هي الحياة؛ تبدأ القصة دائمًا بشقٍّ لا يُرى،وبشرارةٍ تخبو في العيون. تمرّ الأيام كأن شيئًا لم يكن،حتى إذا تراكم الهشيم اشتعلت النار دفعة واحدة، القلوب تسقط قبل الجدران،والبيوت تنهار قبل الأعمدة؛لا بضربةٍ واحدة،بل بخطوات صغيرة لم نحسب لها حسابًا، كم من خلافٍ عابر بين زوجين لم يُصلح،فصار جدارًا من صمت وجليد! وكم من خطيئة صغيرة استُخفّ بها، فكانت بابًا إلى كبيرة لم يكن صاحبها ليقترب منها لولا تلك الغفلة الأولى! وكم من دين يسير قيل فيه: “غدًا أسدّد”، حتى أثقل صاحبه كالصخرة على صدره!

قال النبي ﷺ: «إيّاكم ومُحَقَّرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهْلكْنه»، فإذا كان هذا في شأن الذنوب،فكيف بشؤون الدنيا إذا تُركت دون علاج؟ إن الشرارة الصغيرة هي بداية الحريق،والشقّ الرفيع في السفينة هو الذي يُغرقها إذا لم يُسدّ في وقته، ولا شيء أخطر على الإنسان من عادة الاستخفاف؛ أن يزدري الصغير لأنه صغير،حتى يكبر أمامه فجأة وهو لا يملك حيلة.

أحيانًا لا يكون الخطر في المصائب الكبرى التي تواجهنا،بل في المشاكل الصغيرة المتكررة التي تضعفنا من الداخل، ما يهدم الإنسان ليس دائمًا ما يأتيه من الخارج،بل ما يتسلّل إلى أعماقه ببطء،كالقلق والحسد والغضب،فينهش قوته دون أن يشعر، القوي قد ينهار إذا لم ينتبه إلى الشقوق الخفية في حياته أو عمله، كما هُزمت الشجرة من الداخل،قد يُستنزف الإنسان بالهموم الصغيرة وهو يبدو صلبًا في الظاهر.

الحكمة ليست في إخماد النار بعد أن تشتعل،بل في وأدها وهي تحت الرماد،وليست في ترميم الجدار بعد أن ينهار،بل في إصلاح الشرخ وهو بعدُ شعرة لا تُرى، فامسح صدأ قلبك كل صباح،وأصلح شقوق يومك أولًا بأول،ولا تدع شقوق الإهمال تحفر في جدار حياتك حتى يتداعى البناء وأنت لا تشعر.