الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ أغسطس-٢٠٢٥       20845

بقلم - أحمد الظفيري:

تابعت مقطعًا في تطبيق “تيك توك” للشيخ ماجد بن عبدالله بن ربيعان، يتحدث فيه عن مبادرة تحديد الديات حتى لا تتحول القصة إلى تجارة دم، مؤكّدًا أن المبادرة تشمل الجميع دون استثناء، وأنها خطوة لإنهاء معاناة الكثير من الفئات المُجتمعية.

ما طرحه الشيخ ماجد لامس واقعًا يعيشه الكثيرون، فموضوع الديات ليس شأنًا فرديًا أو عائليًا، إنما أصبح قضية تمس المجتمع بأسره، بعدما تحولت في بعض الحالات إلى أرقام باهظة تثقل كاهل أفراد وفئات لا تملك القدرة على تحملها.

تحديد سقف للديات لا يقتصر أثره على تخفيف العبء المالي، إذ يعيد للقيم الاجتماعية معناها الحقيقي، حيث يكون الهدف إصلاح ذات البين وتحقيق العدالة، بعيدًا عن استغلال المواقف لتحقيق مكاسب مالية.

فارتفاع المبالغ إلى مستويات غير مسبوقة دفع بعض الأسر إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها لتسديدها، الأمر الذي يولد مشكلات اقتصادية واجتماعية جديدة.

المبادرة تضع حداً لهذا المسار المرهق، وتفتح المجال لتوجيه الأموال نحو مجالات أكثر نفعًا واستدامة، مثل دعم الأسر المحتاجة، وتمويل التعليم، ورعاية الأيتام، وتعزيز المبادرات التنموية. هذه القيم تتسق مع المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى التكافل وحفظ الحقوق، وتغلق أبواب المغالاة التي قد تفتح باب الفتنة والنزاع.

كما أن تحديد سقف الديات يعزز من مبدأ المساواة أمام العرف والقانون، فلا يكون هناك تفاوت كبير بين حالات متشابهة، ولا يشعر أحد بالتمييز أو الضغط النفسي نتيجة اختلاف الظروف المادية بين الناس.

هذه المساواة ترفع من مستوى الثقة المجتمعية، وتُبقي روح العفو والتسامح حاضرة، بدلاً من أن تطغى عليها الحسابات المادية.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن تحظى هذه المبادرة بصدى إعلامي واسع، بحيث تصل رسالتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، والقنوات التلفزيونية، والإذاعات، والصحف، والمجلات، ليتفاعل معها الجميع، ويدعمها المؤثرون، وتتبناها الجهات المعنية، بما يعزز فرص نجاحها وانتشارها.

الأسر التي تعاني من الديات الضخمة تواجه ضغوطًا نفسية هائلة، وتجد نفسها أمام تحديات تعيق مسيرتها الحياتية. المبادرة تمثل حلاً عمليًا يُنهي هذه المعاناة، ويعيد التوازن بين حق أولياء الدم، وحق المجتمع في الاستقرار، وحق الفرد في أن يعيش حياة كريمة دون أعباء مالية غير مبررة.

إن دعم مثل هذه المبادرات مسؤولية مشتركة بين الأفراد ووجهاء القبائل ومؤسسات المجتمع المدني، فهي خطوة تحفظ للعرف مكانته، وللشرع مقصده، وتوجه طاقاته نحو البناء والإعمار، بعيدًا عن الانشغال بأعباء تثقل الجميع.