بقلم/ د. خالد بن يحيى القحطاني
في بيئة تتسارع فيها التحولات التكنولوجية، وتتسع فيها فجوات التوقع والطموح بين المؤسسة والمستفيد، لم يعد الابتكار المؤسسي مجرد ميزة تنافسية بل أصبح ضرورةً لإستمرار الفاعلية. وفي هذا الصدد يطرأ على الأذهان سؤال مهم جداً وهو :
كيف يُمارس القادة دورهم كمحفزين وميسرين للابتكار؟ وما الذي يجعل بعض المؤسسات قادرة على تحويل الأفكار إلى نماذج قابلة للتطبيق، بينما تتجمد أخرى أمام تحدياتها التشغيلية اليومية!
للإجابة على هذه التساؤلات يجب أن نؤكد أولاً على أن القائد الحقيقي يجب أن يتجاوز أدواره التقليدية التي تقوم على إصدار التوجيهات أو ضبط الأداء، ليصبح داعماً وميسراً فعالاً يرعى الابتكار من مرحلة الفكرة إلى التجريب والتنفيذ وبشكلٍ آخر يمكن القول بأن السلوك القيادي هو الذي يرسم ثقافة المؤسسة تجاه الثلاثية التي لا يمكن أن ينشأ الابتكار مؤسسي بمعزل عنها، وهذه الثلاثية هي (المخاطرة، والتجريب، والتعلّم)، مما يتطلب من القائد ما يلي :
1- أن يكون قادراً على التحرر من مركزية القرار- دون أن يتنازل عن وضوح التوجه - وهو ما يُعرف بالمرونة الاستراتيجية: وهذا يعطي مساحة للقائد للمراجعة الدائمة لفرضيات المؤسسة وإعادة ضبط الأولويات دون خسارة الرؤية العامة، و من أبرز الأمثلة التطبيقية على على ذلك: التحول الجذري الذي قادته شركة Netflix حينما نقلت نموذجها التشغيلي من تأجير الأقراص إلى البث الرقمي -رغم أن ( السوق ) وقتها لم يكن مهيأً تمامًا لهذا النموذج،- هذا القرار لم يكن نتيجة رأي فردي ارتجالي، بل كان نتيجةً لثقافة مؤسسية مرنه استراتيجياً و تتبنى الإبتكار واستطاعت أن تستشرف الاتجاهات الرقمية وسلوك المستهلكين.
2-أن يكون قادر على إعادة تعريف الفشل بوصفه جزءاً ضرورياً في دورة التطوير : فالأفكار لاتنمو أبداً في البيئات التي تتعامل مع الخطأ كفشل مطلق، ويمكن الاستشهاد في ذلك بتجربة SpaceX بقيادة إيلون ماسك؛ حيث تضمنت هذه التجربة ثلاث عمليات إطلاق فاشلة لكن ومع ذلك لم يؤدي الفشل إلى إغلاق المشروع، بل كان لذلك الفشل دور كبير في الوصول الى تحسينات جوهرية في النموذج الهندسي مما أدى إلى الشراكة مع وكالة ناسا وتحقيق قفزة نوعية في تكنولوجيا الفضاء التجارية.
2- أن يكون قادراً على الإصغاء الفعال: و الإصغاء هنا لا يرتبط بالبُعد الإنساني فقط، بل يُعتبر أداة استراتيجية لاستكشاف الأفكار الكامنة في هوامش المؤسسة. Google، على سبيل المثال، تبنّت مبدأ 20% من الوقت للابتكار الشخصي مما أتاح لموظفيها تطوير منتجات ثانوية تحوّلت إلى موارد استراتيجية، مثل Gmail وAdSense. وهذا ما جعل الإصغاء في هذا الإطار ليس مجاملة مهنية، بل سياسة مؤسسية للتطوير والتحسين.
4- أن يتحول القائد من صانع قرار إلى مُمكّن للقرار: أي إعطاء المساحة الكافية للقيادات في المستويات الأدنى لإتخاذ القرارات بشكلٍ يساهم في تسريع دورة اتخاذ القرار ويقلص فجوة التنفيذ -وهذا سيتطلب من القائد وبلا شك - بأن يحرص على اختيار القيادات الأكفاء ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تجربة المدارس المستقلة في سنغافوره والتي منح قياداتها صلاحيات واسعة في تصميم المناهج و الأنشطة وتحديد الرسوم وتوظيف المعلمين وهذا مكّنها من تنفيذ حلول واقعية وبكفاءة وسرعة أعلى مما أدى الى الارتقاء بالتعليم في سنغافورة ليصبح الأول عالمياً وفقاً لنتائج التقييم الدولي PISA.
5-أن يحافظ على طاقة الأفراد النفسية والمعرفية: وهنا يبرز البعد الإنساني كعنصر جوهري في المنظومة الابتكارية حيث لا يمكن بناء بيئة منتجة فعّاله دون الحفاظ على طاقة الأفراد النفسية والمعرفية ، والمؤسسات التي تُعيد النظر في موازين العمل والراحة وتؤسس لجودة الحياة الوظيفية تكون دائماً أكثر قدرة على الاحتفاظ بالكفاءات وتوليد أفكار متجددة وهذا ما يؤكده مؤسس مجموعة علي بابا حيث يشير دائماً إلى أن كثيرًا من قراراته الاستراتيجية نشأت خلال أوقات الاستقرار النفسي.
6- أن يكون قادراً على إعادة تعريف العلاقة ما بين المؤسسة التي يقودها وبين والمجتمع نحو مفهوم جديد للقيادة القريبة من الناس: وهذا يتيح للمجتمع التعاطف مع التحديات التي تواجهها المؤسسة وربما تجاوز ذلك للمشاركة في ابتكار الحلول لها.
في الختام ؛ يمكن القول أن بناء ثقافة مؤسسية مبتكرة لا يبدأ بوضع استراتيجيات عليا فقط، بل من المهم أن يتضمن ذلك أيضاً إعادة تعريف للسلوك القيادي اليومي ، فالقائد الذي يتيح المجال للأفكار ويمنح ثقته لفريقه ويتسامح مع الفشل، هو من يصنع بيئة تستطيع أن تنتج نجاحاتها وتعيد ابتكار أدواتها، وهذا هو الفرق بين المؤسسات التي تتطور لمواكبة المستقبل، والاخرى التي توقفت في الماضي و أصبحت تحتضر يوماً بعد الآخر.