الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ أغسطس-٢٠٢٥       15565

بقلم: د.أماني عبدالوهاب 

في مساء هادئ، جلست شابة سعودية تتصفح هاتفها، لتلمح إعلانًا لساعة أنيقة يزين شاشتها. الصور براقة، والتعليقات إيجابية، والسعر مغرٍ، بضغطة زر واحدة، أكملت الشراء، بعد أيام، وصل الطرد... لكنه لم يحمل سوى نسخة رديئة، لا تشبه الصورة إلا في عدد العقارب، تلك اللحظة ليست مجرد خيبة تسوق، بل تجسيد لإشكالية أعمق: كيف يمكن للقانون أن يحمي المستهلك في عالم تُبرم فيه الصفقات بلا مصافحة ولا جدران؟

المملكة العربية السعودية، بوعي استباقي، سنت في 2019 نظام التجارة الإلكترونية، واضعة إطارًا قانونيًا صارمًا يحدد مسؤوليات التاجر ويلزم بالإفصاح عن هويته التجارية وسياساته، ويكفل حق المستهلك في التراجع عن الشراء خلال سبعة أيام في حالات معينة، ويحمي بياناته من أي استغلال، كما اعترف القانون بالعقود الإلكترونية، شريطة توافر عناصرها الأساسية، وألزم بتوفير وسائل دفع آمنة ومعتمدة هذه النصوص ليست حبرًا على ورق؛ بل هي محاولة لصناعة الثقة في سوق باتت تمتد من أصغر متجر محلي إلى أضخم منصات العالم.

  لكن الفجوة بين النص والواقع ما زالت قائمة، فالمستهلك السعودي يواجه أحيانًا متاجر رقمية غير مرخصة، تنتشر عبر وسائل التواصل وتعمل خارج الأطر الرقابية، ما يصعّب ملاحقتها قضائيًا، التحدي يتضاعف مع البائعين الدوليين، حيث تتباين الأنظمة وتتعقد إجراءات التنفيذ عبر الحدود، والإعلانات المضللة تظل أحد أخطر الفخاخ، حيث تحاكي الصور احترافية كبرى العلامات، بينما الواقع أقل بكثير يضاف إلى ذلك ضعف الثقافة القانونية لدى بعض المستهلكين، الذين يجهلون حقوقهم أو يترددون في المطالبة بها، فضلًا عن تهديدات الاختراقات الإلكترونية التي قد تطال بيانات الدفع والمعلومات الشخصية.

المشهد إذن، ليس معركة قانون ضد مخالفين فحسب، بل هو سباق وعي وثقة، فالقانون السعودي وضع الأساس، لكن تنفيذه الفعّال يحتاج إلى أدوات أكثر حيوية: من خلال تطويع رقابة إلكترونية ذكية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المخالفات في مهدها، وإلزام المنصات العالمية بالامتثال للأنظمة المحلية، ونشر حملات تثقيفية تصل لكل مستخدم هاتف ذكي، وكذلك تطوير آليات تحكيم إلكتروني تحل مثل تلك النزاعات بسرعة وعدالة، بعيدًا عن أروقة المحاكم التقليدية.

في عالم تتلاشى فيه الحدود بين الأسواق، يصبح القانون هو الحارس الصامت، يراقب من بعيد، ويتدخل عند اللزوم، لكن هذا الحارس، مهما بلغت قوته، لن يحميك ما لم تعرف كيف تستدعيه، وما لم تدرك أن النقرات ليست بريئة دائمًا، فالتجارة الإلكترونية، في جوهرها، ليست بيعًا وشراءً فقط، بل عقد ثقة يتشارك أطرافه المسؤولية: تاجر صادق، ومستهلك واعٍ، ونظام قانوني حاضر، وحين تكتمل هذه الحلقة، يصبح التسوق عبر الشاشة أكثر أمانًا من أي جولة في السوق التقليدي.