بقلم: علي بن عيضة المالكي
المثقف في جوهره، هو ذاك الذي يشقّ طريقه نحو الحقيقة عبر غابة الأفكار، ويغوص في أعماق المعارف لينتقي جوهرها ويقدّمه للناس بلغة صافية ورؤية نافذة.
غير أن المشهد المعاصر يشهد مفارقة مؤلمة: مثقفون يختارون أو يُجبرون على العوم في مستنقع السطحية، مكتفين بالطفو فوق ماء راكد لا حياة فيه.
اعلم صديقي القارئ أن السطحية هنا نقصد بها ليست مجرد بساطة في الطرح، إنما حالة ذهنية تقوم على اختزال المعقّد إلى مبتذل، وتحويل الفكر إلى ترفٍ استهلاكي سريع الزوال.
في هذا المستنقع، يصبح التفاعل مع القضايا الكبرى مجرد تعليقات عابرة، وتتحول المفردات إلى شعارات، والبحث العميق إلى سرد مكرور لما هو شائع ومتداول.
في دوحة البحث عن البريق تتعدد أسباب هذا الانحدار، فهناك من استسلم لزخرفة المنصات الإعلامية، حيث المكسب الأهم عنده سرعة الانتشار لا دقة الفكرة، وهناك من كبّلته القيود فاختار السلامة على المواجهة، وهناك أيضًا من ارتضى الكسل المعرفي، مفضلاً استهلاك ما ينتجه الآخرون بدل إنتاج معرفة جديدة.
لكن الخطر الأكبر أن السطحية لا تقتل المثقف بمفرده، بل تصيب الوعي الجمعي بالضمور، فحين يغيب الصوت النقدي الجاد، يفرغ المجال العام من الحوار العميق، ويحل مكانه ضجيج متواصل لا يبني وعيًا ولا يحرك ساكنًا.
إن مسؤولية المثقف الحقيقية تقتضي مقاومة هذا المستنقع، ولو كلّفه ذلك العزلة أوالتهميش، فالمجد ليس في مواكبة الموجة، بل في القدرة على الغوص ضد التيار، وانتشال اللآلئ من الأعماق، لا جمع الطحالب من السطح.
من المفترض أن يكون المثقف أشبه بالغواص الذي يقتحم أعماق البحر ليجلب الكنوز، لا أن يكتفي بالطفو على سطح ماء راكد تغشاه الطفيليات، غير أن واقعنا يشهد، بمرارة، انزياح بعض المثقفين نحو الضحالة، حيث تغدو الثقافة مجرد تذكرة عبور إلى دوائر الظهور الاجتماعي أو الإعلامي، بدل أن تكون سعيًا جادًا لبناء الوعي وتوسيع آفاق الفكر.
قد ينحدر المثقف إلى السطحية عن وعي، مدفوعًا بإغراءات الحضور السريع في المشهد العام، أو عن غير وعي، حين تستدرجه بيئة فكرية رخوة لا تحفّز البحث ولا تكافئ العمق، حيث يختار المثقف السهولة على الصعوبة، ويغدو مشغولاً بتعزيز صورته أكثر من تعزيز أفكاره.
أما حين تفرض عليه المنظومات خطوطًا حمراء تحاصر حركته، فيجد نفسه مضطرًا للالتفاف أو المراوغة، فيفقد حدة خطابه ووضوح فكرته والمقصد من غايته.
إن المثقف الحقيقي حارس للوعي، لكنه حين يغرق في الوحل يتحول من صانع معنى إلى مؤدٍ يتقن فن التسلية الثقافية. لا يتحدى المألوف، ولا يحرك الأسئلة المقلقة، بل يكرّر ما يرضي الجمهور أو السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب صدقه الفكري.
أما الإعلام المعاصر، بشكله السريع المتناوب على الشاشات والمنصات، يعيد تشكيل المثقف وفق مقاييسه: الاختزال، الجاذبية البصرية، والعبارات القصيرة اللافتة.
هنا، ينجو السطحي لأنه متكيف مع إيقاع السرعة، بينما يختفي العميق لأن إنتاجه يتطلب وقتًا وفهمًا وتأملًا لا تتسع له المساحات الإعلامية.
ذاك كله يمكن أن يؤدي إلى تذبذب الوعي الجمعي، ونفقد الثقة في المثقف ونسعى إلى تبني دور التثاقف ولا سيما حين يختفي الغوص العميق من المشهد، فتصبح الثقافة مجرد زخارف لغوية أو معلومات متناثرة بلا رؤية.
وعندها، يتقلص دور المثقف في المجتمع من كونه مُحدثًا للتغيير، إلى مجرد مكرّس للوضع القائم. النتيجة النهائية هي جيلٌ يستهلك الثقافة كما يستهلك وجبات سريعة، بلا طعمٍ يبقى ولا أثرٍ يمتد.
آخر الكلام:
أصبح الخروج من حالة التردي الثقافي ضرورة حتمية، فالوحل الذي يعيش فيه الأكثرية ينبئ بشتات أكبر للمنظومة الفكرية، الملقية والمتلقية في آن معًا والخلاص من هكذا وضع ليس سهلاً.
لكنه ممكن يبدأ أولاً بقرار داخلي من المثقف نفسه أن يرفض إغراءات الطريق السهل، وأن يختار الغوص ولو كان البحر عاصفًا، ثم يأتي دور المؤسسات الثقافية والمجتمع في مكافأة العمق، وتقدير من يضيف معرفة جديدة، لا من يكرر السائد؛ فالمستنقع، بطبيعته، لا يبتلع إلا من يرضى بالبقاء فيه.
أما من يصرّ على السباحة نحو الأفق، فإنه سيبلغ هدفه يومًا، ويغوص في ماءً أعم، ويكشف الخفايا بالبحث عن المعنى الحقيقي وينبذ الاستسلام للموضة الفكرية ويهرب بعيدًا بفكره عن التكرار والتبسيط الزائد ولا يقدم بريق الظهور على حساب العمق إنما يتخلص من الكسل المعرفي بالبحث والتحليل وألا يكون صيدًا سهلاً للسطحية ولقمة سائغة سهلة الهضم من أجل التهافت على الإعلام.