الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٥ أغسطس-٢٠٢٥       12870

بقلم: موضي العمراني

في زحام المشهد… قد يُسقِطنا البعضُ سهوًا، وقد يتعمّدُ آخرون تغافلَنا، ظنًا منهم أن التغاضي يُضعف الأثر أو يُبهت الحضور. لكن ما لا يُدركه أولئك، أن الشمس لا تنتظر من يُشير إليها لتُشرق، وأن الصوت الأصيل لا يُسكت بمجرد إغماض أعين السامعين عنه.

لطالما ارتبط التجاهلُ في أذهان البعض بالتقليل، وربما الإقصاء، وكأنّ إسقاط الاسم أو طيّ الصورة كفيلٌ بإلغاء المنجز. لكننا نعلم، ويعلمون في أعماقهم، أن هذا الصمت الموجَّه ما هو إلا اعترافٌ مقنَّع… اعتراف بأننا مختلفون، وأن لأثرنا صدى لا يُحتمل كتمه.

نحن الذين لم نأتِ من فراغ، ولم نطلب موطئ قدمٍ في طوابير المجاملة أو أروقة التلميع الزائف. نحن أبناءُ المواقف، أبناء العمل الصامت الذي لا يُعلن عن نفسه، بل يترك أثره في كل زاوية، في كل تغيير، في كل تفصيلةٍ تقود إلى الأفضل.

 

في المجتمعات، كما في الأفراد، هناك فئة تتقن فن الحضور المتواضع، الذي لا يحتاج إلى المايكروفونات ليُسمع، ولا إلى التصفيق ليشعر بقيمته. هؤلاء هم الذين يمشون بخطى ثابتة، أعينهم على الهدف، وأيديهم منهمكة ببناء المعنى. وإن لم تُرفع لهم رايات، يكفيهم أن القلوب تشهد، وأن الواقع يتغيّر بفضل ما صنعوه.

قد يُغفل الاسم في تقرير، وقد تُقصى الصورة من مشهد، وقد لا تُوجَّه الدعوة لحفل تكريم. لكن ماذا عن الأفكار التي أُلهمت؟ عن الأيادي التي امتدت بعد مبادراتهم؟ عن الروح التي أعادوا إشعالها في آخرين؟
هل يستطيع  التجاهل  أن يمحو كل ذلك؟
أبدًا.

لأن الحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد الدعوات، ولا بحجم التصفيق، بل يُقاس بعمق الأثر، واستمرارية العطاء، وقدرة الإنسان على أن يكون نورًا حتى عندما يتعمّد الآخرون إطفاء المصابيح حوله.

 

ولعلّ أجمل ما في الأمر، أن أصحاب البصمات الحقيقية لا يسألون: “لماذا لم يُذكر اسمي؟”
بل يسألون: “هل أحدثتُ فرقًا؟”
وهذا وحده كفيل بأن يُبقِيهم في صدارة القمم، حتى لو أُقصوا من الموكب أو طُويت أسماؤهم في الظل.

فمن يعمل من أجل المجد الشخصي يُرهقه الانتظار… أما من يعمل من أجل الفكرة، من أجل الرسالة، من أجل الصدق، فإنه لا يخشى التجاهل، لأنه يدرك تمامًا أن الفعل أبلغ من الذكر، وأن التاريخ لا يُكتب بالحبر فقط، بل بالبصمة… والبصمة لا تُمحى.


في كثير من المواقف، يكون  التجاهل  لغةً تحمل في طياتها أكثر مما تُظهر. فقد يتجاهلك أحدهم لأنه لا يريد الاعتراف بأنك سبقتَه. وقد تُقصى من قائمة لأن حضورك يُربكهم. وقد تُسقَط عمدًا لأن بقاءك يُذكّرهم بما لم يصنعوه هم.

وفي المقابل، من الناس من يتعامل مع الحضور الصادق بتواضع الكبار… يذكر ويشكر ويحتفي دون أن يشعر بالتهديد. أما أولئك الذين يُجيدون دفن الإنجاز بصمت، فهم أكثر من يعلمون أن إنكار الضوء لا يُطفئه، بل يكشف عمق العتمة في دواخلهم. 

لقد تعلّمنا أن نقف بثبات حتى حين يُدار لنا الظهر. أن نبتسم بإيمان حين تُقصى أسماؤنا، لأننا لا نقيس أنفسنا بالذكر، بل بالأثر.
تعلمنا أن نكون الرقم الصعب، حتى وإن لم تُدوّن الأرقام.
أن نكون الصوت الصادق، حتى وإن لم يُذاع.

فنحن لسنا عابرين في هذا المشهد. نحن الحكاية التي يصعب تجاوزها، حتى عندما لا تُروى. نحن الركن الذي لا يُرى من بعيد، لكنه يحمل السقف على كتفيه. نحن الأثر وإن أنكروا… والحضور وإن غابوا.

فيا من تتقنون التجاهل، احذروا… فقد يكون صمتكم اعترافًا، وغيابكم ضوءًا يبرز وجودنا أكثر مما تفعل الكلمات .